محمد أبو زهرة
3536
زهرة التفاسير
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ( 17 ) . « الفاء » للإفصاح عن شرط مقدر ، تقديره : إذا كان من عندي كما تدعون وكما تفترون ، فَمَنْ أَظْلَمُ والاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الوقوع ، أي لا أحد أظلم ممن افترى على اللّه كذبا بأنه من عند اللّه وما هو من عند اللّه ، وهنا يبين سبحانه أن نبيه لا يمكن أن يكذب على اللّه ؛ لأن ذلك أشد الظلم وأقبحه ، وأن اللّه لا يختار لنبوته كذابا كقوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ . . . ( 93 ) [ الأنعام ] . ويكون النص على هذا إثبات أن القرآن الذي تلاه عليهم هو من عند اللّه ؛ لأنه ليس بظالم ، فضلا عن أن يكون أظلم الناس ، إذ هو الصادق الأمين الذي عرفتموه ، وهو تنديد بالمشركين ؛ فهم أظلم الناس ؛ لأنهم افتروا على اللّه تعالى إذ أشركوا به غيره ، وأي افتراء أكبر من ذلك ، ثم هم قد سفهوا النبي صلى اللّه عليه وسلم وافتروا عليه الكذب . وقد بين سبحانه شعبة أخرى من ظلم المشركين الذي لا يماثله ظلم ، وهو تكذيب القرآن الكريم وإنكار نسبته إلى اللّه تعالى ، وكذبوا الدلائل الواضحات في الخلق والتكوين فأشركوا باللّه ؛ لأن هذه الآيات الكونية تدل على أن اللّه واحد أحد ليس له ولد ولم يكن له كفوا أحد . إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ الضمير هو ضمير الشأن ، أي أن الحال والشأن أنه لا يفلح أي لا يفوز ولا ينجح ، وقد أكد نفى فلاحهم : أولا : بالجملة الاسمية ، ثانيا : ب ( إنّ ) الدالة على التأكيد ، ثالثا - أنه وصفهم بالإجرام وهو الشرك وكسب الفساد . ولقد بين اللّه تعالى جرمهم الأكبر وهو الشرك فقال سبحانه :