محمد أبو زهرة
3485
زهرة التفاسير
وقد تكلم الرواة في هذه الآية على الآثار الواردة عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في مقام العلم بجوار الجهاد ، وأن الآثار التي وردت في فضل العلم لا تقل عن الآثار التي وردت في فضل الجهاد ، وكلاهما ينبعان من نبعة واحدة وهي إعلاء كلمة اللّه ، فالأول لبيان الحق ، والثاني للذود عن حياضها ، وتغيير السبل أمامها ، حتى لا يعوقها طاغ من طغاة الأرض ، وقد روى أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال « طلب العلم فريضة على كل مسلم » « 1 » . ولقد روى الترمذي من حديث أبي الدرداء ، أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل اللّه له به طريقا إلى الجنة » « 2 » ، وروى أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم » « 3 » . وإن هذا الوصف هو للعالم الذي فقه في الدين ، واعتز به ، ولم ينافق فيه ، ولم يتخذه سبيلا للعلو والفساد واجتياز المجالس عند الأمراء ونيل الدنيا به ، وبالنفاق والكذب ، والافتراء على اللّه ، ولقد قال الزمخشري في هذا الصنف من العلماء ، ويظهر أنهم كثروا في عصره عندما انزلق العلماء إلى موائد السلاطين . فقد قال رضى اللّه تعالى عنه فيما ينبغي للعلماء : « وليجعلوا غرضهم ، ومرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم ، وإرشادهم ، والتصغية لهم ، لا ما يتجه إليه الفقهاء من الأغراض الخسيسة ، ويؤمّون به من المقاصد الركيكة من القصور والترؤس ، والتبسط في البلاد ، والتشبه بالعظمة في ملابسهم ، ومراكبهم ومنافسة بعضهم بعضا ، وفشو داء الضرائر بينهم ، وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح لأحدهم مدرسة لآخر أو شرذمة جثوا بين يديه ، وتهالكه
--> ( 1 ) سنن ابن ماجة : المقدمة - فضل العلماء والحث على طلب العلم ( 224 ) . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) رواه الترمذي : ما جاء في فضل الفقه على العبادة ( 2685 ) . وابن ماجة : المقدمة - من قال العلم الخشية وتقوى الله ( 289 ) بلفظ مقارب .