محمد أبو زهرة

3470

زهرة التفاسير

بلغهم أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وصل إلى تبوك ، حتى أخذ الندم يغزو قلوبهم حسرة على أنهم لم يسارعوا ، ولما لقيهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مغضبا منهم ، إذ كان يعرف فيهم النجدة والإيمان ، وكلهم كانوا من الأنصار ، وهم مالك بن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي . ولقد تخلف منافقون فلم يبال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بهم ، وتخلف مؤمنون ، واعتذروا فقبل النبي أعذارهم ، ولكن هؤلاء الثلاثة أحسوا بأنهم لا أعذار لهم ، وأبوا أن يكذبوا فالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم رأى فيهم خيرا ، ورأى فيهم قصورا قد وقعوا فيه ، والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم رأى أن يهذب نفوسهم بالاستنكار للفعل من جماعة المؤمنين فأمر المؤمنين ألا يخاطبوهم ، ثم رأى أن يعتزلوا نساءهم ، وألا يلقوهن ، وأجاز لشيخ فيهم أن تلقاه امرأته ، ولكن يعتزلها ، ومكثوا على ذلك خمسين ليلة ثم نزل الوحي بقبول توبتهم ، هذا ما يدل عليه قوله تعالى : ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ؛ بتلك المقاطعة ، أي أن الأرض باتساعها ورحبها صارت أضيق من كفة الحابل ، لأنهم لا يستطيعون الحركة لها ، إذ فقدوا الأنس بالناس وخصوصا الذين طهرت نفوسهم ، وزكت أرواحهم ، ففي الكلام مجاز خلاصته أنهم شعروا بضيق الناس بهم لا يقرءونهم سلاما ولا يقولون لهم كلاما أيا كان الكلام ، لوما أو عتابا ، أو تقريعا ، أو أي نوع من الكلام يسمعون ، فعبر عن هذا بأن الأرض ضاقت بهم مع اتساعها ورحبها . وانتقل تبرم الناس بهم إلى تبرمهم بأنفسهم ، فصارت نفوسهم كأنها عبء ثقيل عليهم ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ الظن هنا بمعنى العلم ، أي علموا أنهم لا يجدون ملجأ من أمر اللّه تعالى إلا أن يلجئوا إليه هو ، فاستقامت نفوسهم راجعة إليه بمعاودة التوبة وتكرارها ، شاعرين بأنه راحمهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ( ثم ) هنا للتراخى ، لأنه قد مضت عليهم خمسون ليلة يحسون بالقطيعة ، وبعد الخمسين تاب عليهم بأن أمر النبي والناس أن يقربوا إليهم ، وألا