محمد أبو زهرة
3458
زهرة التفاسير
وتدخل الحدود بهذا المعنى الفقهي الخاص في ضمن حدود اللّه التي تفرق بين الحلال والحرام ، وحفظها صونها ومراعاتها ، وألا يعتدى عليها . وختم اللّه تعالى الآية الكريمة بقوله ، بيانا لعاقبة الإيمان ، وهي نيل الخير والاطمئنان في الدنيا والجنات في الآخرة ، ورضوان من اللّه أكبر ، ولذا قال تعالى : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي بشرهم بحسن الجزاء كما ذكرنا ، واللّه سبحانه وتعالى عنده حسن المآب ، وكانت ( الواو ) في قوله تعالى : وَالْحافِظُونَ لبيان أن هذا نوع مغاير لما سبقه وإن هذا جزاء المؤمنين ، والمشركون لهم عذاب الجحيم ، ولا يستغفر لهم أحد ، إنما القربى بالأعمال ، لا بالقرابة ؛ ولذا قال تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) . . . . كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 ) [ الطور ] ، . . . لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً . . . ( 48 ) [ البقرة ] ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) [ النجم ] ، تلك قواعد قرآنية توجب ألا يغنى عمل إنسان عن إنسان غيره ، ولقد كان بعض المؤمنين لمحبة رابطة بين أحد المؤمنين والمشركين يطلب المؤمن المغفرة لمن يحبه من المشركين لرحم جامعة أو قرابة رابطة ، أو لمودة موصولة ، فنهى اللّه نبيه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن ذلك هو ومن معه من المؤمنين ، فقال تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى أي أصحاب قربى قريبة ، فقربى مؤنث أقرب ، أي ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ، وقد رد اللّه تعالى استغاثة نوح لابنه ، وقال : . . . إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ . . . ( 46 ) [ هود ] . يقول ما كانَ لِلنَّبِيِّ . . . ، أي ما ساغ له ، وما صح للنبي الذي يدعو إلى الحق أن يستغفر لمن يصد عنه ، ويعانده ، ويقاومه ، ما دام قد ضل لا يحل الاستغفار له إذا مات على ضلاله ، ولقد روى أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال في حال شدة قومه عليه في واقعة أحد عندما كسرت ثنيته : « اللهم اغفر