محمد أبو زهرة
2867
زهرة التفاسير
على ناقته ، فإذا مالت أخذ بزمامها بيد ، واستمرت يده الثانية الكريمة ممتدة بالدعاء « 1 » . ويختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . إنه - سبحانه وتعالى - لا يحب الذين يعتدون ، أي يتجاوزون الحدود المحدودة عليهم ، فيعتدون على غيرهم ، أو يتجاوزون الأمور المفروضة عليهم ، ومن يتعد حدود اللّه فقد ظلم نفسه ، فتعدى الحدود أمر لا يحبه اللّه تعالى ، وقد يكون حراما ، كالاعتداء على حق غيره ، وقد ذكروا أن ذكر الاعتداء عقب طلب الدعاء يدل أن الاعتداء قد يكون في الدعاء . والاعتداء في الدعاء كأن يقضى وقته كله في دعاء ، ولا يقوم بواجب الحياة ، كأولئك الذين ينقطعون للعبادة ويتركون أمر الحياة ولا يدبرون أمرها ، فذلك اعتداء في الدعاء ، وقد جئ برجل للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : هذا عابدنا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : ومن يؤكله ، قالوا : أخوه يؤكله ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : أخوه خير منه . وكأولئك الذين ينقطعون في الزوايا ، أو ما يسمونه الخانقاه ، بحسبان أنهم يدعون اللّه تعالى ويعبدونه ، فإن ذلك اعتداء في الدعاء وتجاوز لحد المطلوب ، وقد روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « سيكون قوم يعتدون في الدعاء » « 2 » . ولعله سبحانه ينبئ بهؤلاء . ولقد ذكر القرطبي وجوها في الاعتداء في الدعاء منها : الجهر الكثير والصياح ، ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال ، ونحو هذا من الشطط ، ومنها أن يدعو طالبا معصية ، ومنها أن يدعو ما ليس في الكتاب والسنة .
--> ( 1 ) رواه النسائي : مناسك الحج - رفع اليدين بالدعاء في عرفة ( 3011 ) . ( 2 ) رواه أحمد : مسند العشرة - مسند أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص ( 1486 ) ، وأبو داود : الصلاة - الدعاء ( 1480 ) .