محمد أبو زهرة
2865
زهرة التفاسير
وقد أكد هذا المعنى بقوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ . « ألا » للتنبيه ، وهي كثمرة ، لما ذكر - سبحانه وتعالى - من أمر خلق الكون ، وما يسير عليه فله وحده الخلق ولو الإنشاء والتكوين ، والآمر فيه والسلطان عليه والمسير له والمدبر لبقائه ، لا إله إلا هو الحي القيوم . فتبارك اللّه تعالى وعلت بركته - سبحانه وتعالى - على هذا الوجود ، وهو أحسن الخالقين . وأفعل التفضيل ليس على بابه ، أي أنه - سبحانه وتعالى - خلقه خلقا هو الكمال في الحسن والتنسيق ، ولا خالق سواه حتى يقال أن خلق اللّه تعالى أحسن من خلقه ! إنه عزيز حكيم . ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) . كان الأمر بالدعاء بعد أن بين أن اللّه تعالى خلق السماوات والأرض ، وأن اللّه صاحب السلطان فيها ، والأمر بالدعاء يشمل دعاء اللّه تعالى وعبادته وحده سبحانه ، فقال تعالى : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً . ادعوا ربكم : اعبدوه ، فالدعاء مخ العبادة . ادعوه وحده ؛ لأنه ربكم الذي خلقكم ، ويربكم ويربيكم ، ويدبر أموركم ، ولا تدعوا مع اللّه أحدا ، وادعوه تضرعا ، أي في ضراعة وخضوع وتذلل إلى اللّه - سبحانه وتعالى - وخفية « أي في خفاء مستترين غير مجاهرين ، ولا معلنين ، فإن الإعلان قد ترفقه برياء ، وإن اللّه لا يقبل الدعاء إلا أن يكون له وحده ، فالعبادة له - سبحانه وتعالى - وحده لا يشاركه فيها أحد . والدعاء كما قلنا يشمل العبادات من صلاة وصوم وأدعية فيها ذكر اللّه كثيرا ، وقد حث النبي صلى اللّه عليه وسلم كما أمر اللّه تعالى بأن يكون الدعاء خفية ، وإن جهر لا يكون بإعلان وضجة ، فقد روى البخاري عن أبي موسى الأشعري قال : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفر ، فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا ،