محمد أبو زهرة

2862

زهرة التفاسير

إن ربكم الذي خلقكم وبرأكم أخرجكم من بطون أمهاتكم هو اللّه - جل جلاله - وكمل كماله ، الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، و « ستة » أصلها « سدسة » فقلبت الدال تاء وأدغمت في السين فصارت ستة ؛ ولذا تجمع على « أسداس » ، ومنه الوصف « السادس » جريا على مقتضى الأصل لبنية الكلمة . وقد أكد اللّه - سبحانه وتعالى - ذلك ب « إنّ » الدالة على التوكيد وذكر لفظ الجلالة الذي يكسوا الكلام مهابة وجلالا ، و « ربكم » مبتدأ ، ولفظ الجلالة هو خبر القول ، وقد وصفه اللّه « 1 » - سبحانه - بأنه الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام . فما هي هذه الأيام ، إن اليوم الذي نعرفه هو الذي يتم بدورة الأرض حول الشمس مرة ، وهو يبتدئ من الغروب إلى الغروب ، ولا يمكن أن يكون ذلك قبل السماوات والأرض ، وخلق الشمس والقمر والنجوم ، قال بعض المفسرين : إنه ألف سنة كما قال تعالى : . . . وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47 ) [ الحج ] . وإن الذي يقدح في ذهني أن اليوم هنا هو دور التكوين للسماوات والأرض ، وقد أشار - سبحانه وتعالى - إلى ذلك بشكل يبين أدوار خلق السماوات والأرض ، فقال تعالى : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) [ فصلت ] . ونستطيع أن نحصى الأيام الستة من هذه الأدوار ؛ فالأرض والسماوات السبع قضاهن في يومين ، إذ قال : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ

--> ( 1 ) أي وصف الخبر ، وهو لفظ الجلالة .