محمد أبو زهرة

2853

زهرة التفاسير

ادخلوا أيها المخلصون الذين أخلصوا دينهم ، وصبروا وصابروا الجنة بما فيها من نعيم حسى ، وراحة نفسية ، وطلب الدخول هنا تقرير للدخول ؛ لأنهم دخلوا فعلا ، وما كان دخولهم بعد الطلب ، إنما كان قبله ، كما ترى إنسانا في أرض طيبة فينتفع وهو فيها ، ويستحقها ، تقول له : ادخلها وابق فيها . لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ من شر يحيق بكم ، ولا هم يغمكم ، بل أنتم في روح وريحان ، وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ على الخير لكم ، وحاضر نعيم ، وسعادة ، وقد نزع اللّه تعالى من قلوبكم الغل فأنتم تنعمون براحة البال والمحبة والتوادّ بينكم ، فلا تنغص من حقد أو حسد ، أو تباغض . تنبيه : إن أهل الأعراف يحبسون عن دخول الجنة ، ويرون ما عليه أهل النار ، وما عليه أهل الجنة ، ويقول في ذلك الزمخشري في الكشاف : « فائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال ، وأن التقدم والتأخر على حسبها ، وإن أحدا لا يسبق عند اللّه إلا بسبقه في العمل ، ولا يتخلف إلا بتخلفه فيه وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم ، ولتصور أن كل أحد يعرف في ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر ، فيرتدع المسىء عن إساءته ، ويزيد المحسن في إحسانه ، وليعلم أن العصاة موبخهم كل أحد حتى أقصد الناس عملا » . فإنك كما ترى أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ، وهم يطمعون فيها ومع ذلك كان فيهم ذلك التوبيخ والتنديد بالعصاة وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ . انتهت المجاوبة التي كانت بين أهل الأعراف وأصحاب الجنة التي لم يدخلوها ، وكانوا يطمعون فيها ، وهي دلت على أن الأعمال هي تدخل الجنة ، وأن التقاصر عنها هو الذي يدخل غيرها . وإن أهل النار كانوا في شقاء ، فعند أهل الجنة ما يشتهون من لحم ، وعسل مصفّى ، وحور عين ، وأنهار تجرى . . أما أهل النار ففي حرمان مطلق من كل