محمد أبو زهرة

2838

زهرة التفاسير

الجزاء الثاني - أنهم لا يدخلون الجنة وأن ذلك مستحيل عليهم ، كاستحالة دخول الجمل في سم الخياط ؛ ولذا قال عزّ من قائل : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ . أي أنهم لا يمكن أن يدخلوا الجنة ؛ لأنهم لم يعملوا لها ، بل كان عملهم لجهنم ، وشبه استحالة ذلك باستحالة دخول الجمل بضخامته في سم الخياط ، والخياط هو ما يخاط به ، وهو ( الإبرة ) وسمّها هو ثقبها الضيق الذي لا يدخل فيه إلا الخيط الرفيع ، وليس ميسرا . فهذا حكم الاستحالة كما يقول الرجل لامرأته : أنت طالق إذا قبضت على الشمس ، فهذا نفى مؤكد للطلاق ؛ لأنه علق على مستحيل . وكذلك هنا في المعنى لا يدخلون إلا إذا ولج ، أي دخل الجمل في ثقب الخياط ، وذلك مستحيل ، فلن يدخل الجنة إلا إذا تحقق هذا المستحيل ولن يتحقق ، فهو نفى مؤكد لدخولهم ، وبيان استحالته عليهم ، وإذا لم يدخلوا الجنة ، فإنهم يدخلون النار ، وإنها للجنة أبدا ، وللنار أبدا ، قال تعالى : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ . الواو واصلة هذا الكلام السامي بما قبله ، والتشبيه معقود ما بين عذابهم ، واستحالة الرحمة بهم ، وبين ما أعده اللّه تعالى بالنسبة لكل من يجرم ويأثم في حق اللّه تعالى ، والمعنى فهذا الجزاء الذي علمتموه يجزى اللّه المجرمين ، والإجرام ارتكاب الجريمة وهي بمعنى المعصية والذنب ، بيد أن في لفظها إشارة إلى الاعتداء على غيره ، فالمعاصى قسمان معاص هي الآثام ، ولا يتعدى فسادها صاحبها ابتداء ، وإن كان شيوع الفساد يضر بالرأي العام فيتعدى انتهاء ، ومعاص تتضمن ابتداء معنى الاعتداء كالقتل والقذف والسرقة ، وغير ذلك من المعاصي التي تتعدى ابتداء .