محمد أبو زهرة

2819

زهرة التفاسير

إحداهما - أن ينفق مبذرا فوق طاقته ، بأن يكثر من الضيفان فوق طاقته فإن ذلك تبذير منهى عنه ، وقد قال تعالى : إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ . . . ( 27 ) [ الإسراء ] . والثانية - أن ينال من الطعام ما يثقل معدته وأمعاءه ، وجسمه ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه النسائي والإمام أحمد : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ؛ حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة ، فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه » « 1 » . وإن الإسراف في الطعام يختلف مقداره ونوعه باختلاف حال الطعام ، فإن كان مريضا ، فما يؤدى إلى زيادة مرضه إسراف ، وإن كان قويا معافى فلا يتناول ما يؤدى إلى اتخامه ، فإن زاد فقد أسرف ، وقد قال تعالى في صفات المؤمنين : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) [ الفرقان ] . وقد بغض اللّه تعالى الإسراف للناس ببيان أنه سبحانه لا يحبه ولا يرضاه لعباده فقال تعالى : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ لأن الإسراف يؤدى إلى إضرار أبدانهم ، وحرمان لغيرهم ، وضياع لذوي الحاجة في الجماعة الإسلامية كما قال ابن عباس : ما من مسرف إلا ووراءه حق مضيع . وقد أكد - سبحانه وتعالى - بغضه للإسراف بنفي المحبة ، ومحبة اللّه مطلب المؤمنين ، ولقد كان من العرب من حرم زينة اللّه وأوجب العري عند الطواف فاستنكر اللّه تعالى فعلهم ، وقال : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ . أمر اللّه تعالى نبيه الكريم بأن يستنكر ما كان من الذين حرموا زينة اللباس افتراء على اللّه تعالى كما كان يفعل المشركون ، أو تزهّدا كما فعل جهلة المتعبدين

--> ( 1 ) رواه أحمد : مسند الشاميين - حديث المقداد بن معدى كرب ( 16735 ) ، والترمذي بلفظ مقارب : الزهد - ما جاء في كراهية كثرة الأكل ( 2380 ) ، وابن ماجة : الأطعمة - الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع ( 3349 ) .