محمد أبو زهرة

2814

زهرة التفاسير

الاحتشام هو الزي الأكمل ، وإقامة الذات للّه تعالى أن تكون خالصة له سبحانه ، ومستشعرة خشيته ، وجلاله ، وقرن هنا بالمسجد ، لكرامة المسجد كما ذكرنا ؛ ولأنه رمز الصلاة ، فإقامة الوجه في الصلاة بأن تكون مقومة فيها استحضار عظمة اللّه سبحانه في قراءتها وأدعيتها وكل حركاتها ، لا يعمر القلب فيها غير اللّه تعالى . وقرن - سبحانه وتعالى - الأمر بإقامة الوجوه للّه بالأمر بالدعاء مخلصين له الدين ، فقال تعالى : وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، الأمر بالدعاء هو الأمر بالعبادة ؛ لأن العبادة دعاء ، والدعاء في ذاته اتجاه إلى اللّه بضراعة وخشوع وخضوع ، فقد أمر اللّه تعالى بمعاملة الناس بالقسط بين الناس ، ثم أمر من بعد بإقامة الوجه للّه تعالى بالانصراف إليها بذواتنا ، بأن نجعل كل مشاعرنا ، وخلجات قلوبنا للّه تعالى ، بحيث لا نحب إلا للّه ، ولا نبغض إلا للّه ، وأن نكون ربانيين في أنفسنا ، وعقولنا ، وقلوبنا ، ثم أمرنا من بعد أن نعبده وحده ، قد خلصت قلوبنا له ؛ ولذا قال : مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ والدين هنا الطاعة ، وكل العبادات . مخلصين له كل هذا ، بحيث لا نشرك في عبادته أحدا ، فلا نعبد أحدا سواه ، ولا نرائى في عبادته ، فالرياء في العبادة هو الشرك الخفي ؛ ولذا ورد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من صلى يرائى فقد أشرك ، ومن صام يرائى فقد أشرك ، ومن تصدق يرائى فقد أشرك » « 1 » . وقد قرن - سبحانه وتعالى - هذه الأوامر بالتحذير من عصيانه ، والتذكير بالبعث ، وأنه وراء البعث القيامة والحساب والثواب أو العقاب ؛ ولذا قال تعالى : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ . وفي هذا النص دعوة إلى الإيمان بالبعث ، وتذكير به ، وهذا التذكير يحمل في نفسه دليله ، و « الكاف » دالة على التشبيه ، والمعنى بهذا البدء بالخلق والتكون تعودون ، أي يعيدكم كما بدأكم ، ففي الآية ذكر للبعث ، ودعوة إلى الإيمان به ، والدليل عليه بقياس الإعادة على الإنشاء ، وأنه أهون ، واللّه على كل شئ قدير ،

--> ( 1 ) سبق تخريجه