محمد أبو زهرة
1773
زهرة التفاسير
وفي التعبير بكلمة « يُدْرِكْكُمُ » إشارة إلى أن الموت كأنه يطلب الإنسان ويتبعه حيثما كان ، وفي أي وقت كان ، فهو طالب لا بد أن يدرك ولا بد أن يصل ؛ لأنه حقيقة محتومة فإن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، فلا تفروا منه واطلبوا الحق ولو أدى إليه ، وما أحسن ما قاله زهير بن أبي سلمى : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * وإن يرق أسباب السماء بسلم وإن هؤلاء الذين ضعفت نفوسهم قد يدفعهم اضطرابهم إلى أن تسيطر عليهم الأوهام ، فمنهم من يقول كلاما يثير الظنون ويسكت عنه الباقون منهم فكأنهم قالوه ، ولذا حكى - سبحانه - القول عن هذا الفريق فقال : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي إن تصبهم حال حسنة تحسن عندهم ، من رخاء أو خصب أو ظفر أو غنيمة أو سعة في الرزق ، يقولوا : هذه الحال من عند الله تعالى ، فإن كان النصر قالوا : من عند الله . وإن يصبهم أمر يسيئهم ، كالهزيمة ، قالوا : ذلك من محمد ، كأنهم ينسبونه إلى سوء تدبيره - عليه الصلاة والسلام - ، أو يتشاءمون به ، ويهبطون بذلك هبوطا شديدا ! فالحسنة ما يحسن عندهم ، والسيئة ما يسوؤهم . وذلك التفكير الذين يفكرونه ناشئ من ضعفهم النفسي ، وضعفهم الإيمانى ، وسوء ظنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك شأن أهل النفاق ومن يستمعون إليهم من ضعفاء أهل الإسلام : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أي إذا كنتم تنظرون إلى ما قدره الله تعالى في علمه المكنون ، وما يوفق إليه عباده ، وما يمدهم به من عون ، فإن كل شئ من عند الله ، فالشدة والرخاء من عند الله ، والغنيمة والهزيمة بتقدير الله عند اتخاذ الأسباب ، فلا ينصر الله متخاذلا ، ولا يخذل من يريد ما عند الله ، ويتجه إلى الجهاد مستعدا بقلبه وعدته وتنظيمه ، وبهذا يرد عليهم ما توهموه ، أو قالوه .