محمد أبو زهرة

1769

زهرة التفاسير

المشركين ، حتى إن النسائي يروى أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا نبي الله ، كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا في ذل ! ! يريدون أن يأمرهم بقتال المشركين . وسواء أكان الطلب وهم بمكة ، أم كان وهم بالمدينة ، قبل أن يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم لدفع أذى المشركين بالسيف بعد أن استمادوا وطغوا في الأرض ، وأكثروا فيها الفساد . فإن النبي بحكم الله أمرهم بأن يكفوا عن القتال وقتا ينظم فيه الأمر بتقوية أرواحهم ، وتوجيهها إلى الله تعالى لتخلص لله وحده ، وذلك بإقامة الصلاة ، فإن الصلاة فيها تخليص النفس من أدران المآثم ، والاتجاه بها إلى الله وحده ، وهي إذا أديت على وجهها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، كما أمرهم أن يتجهوا في هذه الفترة أيضا إلى تقوية أنفسهم ، والربط بين آحادهم بصلات المودة والتعاون ، وإزالة ضعف الضعفاء ، وذلك بإعطاء الفقراء الزكوات التي كانت مفروضة في أول الإسلام . وإن تقوية الضعفاء سبيل قوة الدولة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « ابغونى في ضعفائكم ، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم » « 1 » . . . حتى إذا استقام أمر الجماعة الإسلامية كتب الله تعالى القتال الذي طلبه من قبل أقوياء الإيمان ، ولم يعارضه غيرهم ، فكان الطلب من الجميع ، كتبه الله تعالى دفاعا عن أهل الإيمان الذين يستذلهم المشركون ، ومنعا للفتنة في الدين ، وإعلاء لكلمة الحق ، ولكي يتقدم للإيمان كل مريد للحق طالب له ، غير خائف من صولة الشرك . ولما كتب القتال كان الصادقون الأقوياء آخذين الأهبة ، ومستعدين للإقدام ، وكان الضعفاء في وجل ، ولذا قال سبحانه : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً الخشية الخوف الشديد مع مهابة الضعيف لمن يخافه ، وهذا الفريق الذي خاف القتال مع الهيبة من الأعداء هو من الضعفاء الذين لا يعلون بإيمانهم . والتعبير بقوله تعالى في أوصاف هذه الخشية : يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ، فيه بعض إشارات بيانية .

--> ( 1 ) سبق تخريجه من رواية الترمذي وأبى داود والنسائي .