محمد أبو زهرة

1759

زهرة التفاسير

والحق أنه يصح أن يشمل التعبير الطائفتين : المنافقين وضعاف الأنفس والإيمان ، فكلا الفريقين لا يهمه إلا نفسه ، ولا يندمج إحساسه في إحساس أهل الإيمان ، فهو متربص منتظر ، فإن وجد هزيمة لا يألم ، بل يسر لأنها لم تصبه ؛ إذ لا يعتبر آلام جماعته إيلاما لنفسه ، وإن وجد نصرا تألم ؛ لأنه لم يكن من الغانمين الذين اشتركوا في المعركة ، ونالوا الفوز فيها ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى في شأن هؤلاء في حال النصر : وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ولئن نلتم نصرا وغنما بفضل الله تعالى ، لا يفكرون في سروركم ولا يحمدون الله على نصركم ، ولكن يفكرون في أمانيهم ، ويتمنون أن لو كانوا معكم ليفوزوا الفوز العظيم الذي نلتموه ، وهو فوز النصر وفوز الغنيمة ، فوز الاطمئنان وأداء الواجب ، يفكرون فيما ينالهم من خير يرجونه ، أو آلام يتجنبونها ، ولا ينظرون إلى آلامكم وسروركم ، كأن لم يكن بينكم وبينهم أية مودة ، ولو كانت ضئيلة ! ! فتنكير المودة لبيان تصغيرها ، وهذا شأن الأثر الذي يحب نفسه فقط ، ولا يفكر في الجماعة التي يعيش فيها . أولها : التعبير عن هذه الجماعة ، المنافقة أو ضعيفة الإيمان ، بالمفرد اتباعا للفظ ( من ) الذي يجوز عود الضمير عليه مفردا . وفي هذا التعبير إشارة إلى معنى الانفراد في الإحساس الذي اختصوا به ، ولم يشاركوا أحدا في إحساسهم بالألم أو السرور . وثانيها : التعبير بقوله : أَصابَكُمْ فَضْلٌ فإن التعبير بإصابة الخير مع أنهم نالوه ، للإشارة إلى أن ذلك إرادة الله تعالى ، فإن أصابكم ما يؤلمكم فبإرادته ، وإن نلتم من خير فبإرادته وبتفضله . وثالثها : إن قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ جملة معترضة بين القول ومقولة ، للإشارة إلى فقدهم الإحساس الاجتماعي فقدا تاما ، الذي