محمد أبو زهرة

1684

زهرة التفاسير

في الآيات السابقة بين سبحانه وتعالى وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة ، سواء أكانت هذه العبادة في التكليفات التي خصصت للعبادة ذاتها ، أم كانت من المعاملات بين الناس التي لا بد من نية القربة فيها . فالإنفاق لا بد أن يخلص لله تعالى ، كالصلاة لا بد أن تكون خالصة لله . فالنية في الأقوال والأفعال أساس الجزاء من عقاب وثواب . وفي هذه الآية الكريمة بين الجزاء الأوفى من خير أو شر ، وأن الشر لا يجازى إلا بمثله ، وأن الحسنة تكون بأضعافها ، ولذا قال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ المثقال - معناه المقدار الذي له ثقل يحتمل أن يوزن ، والذرة الغبار الذي لا يرى في أكثر الأحوال ، والمعنى اللفظي أن الله لا ينقص عاملا حقا وزن ذرة ، وهي لا تعلى الميزان ولا تخفضه ، إلا أن يكون ميزانا دقيقا جدا ، وهذا النوع من الموازين لا يوجد في الدنيا ، ولكن يوجد في الآخرة ، فعندئذ تكون الموازين القسط التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا قومتها . ومعنى النص في مرماه أن الله سبحانه وتعالى ، لا ينقص أحدا من ثواب عمله أي مقدار ولو ضؤل ، فهذا الكلام فيه استعارة مؤداها أنه لا ينقص عمل عامل ، لقوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة ] . وإن النص عام يشمل المؤمن وغير المؤمن في ظاهره ، ولذا تكلم العلماء في أعمال الخير التي تقع من الكافر إذا قصد بها وجه الله تعالى مع كفره وضلاله ، وقال الأكثرون إن الله لا يغفر الشرك ، ويعطى الكافر ثواب الخير في الدنيا ، أما المسلم فيؤتيه ثواب الخير في الدنيا والآخرة ، واستندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة ، يعطى بها في الدنيا ، ويجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا ، حتى إذا أفضى بها إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها » « 1 » .

--> ( 1 ) رواه مسلم : صفة القيامة والجنة والنار ( 2808 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه .