محمد أبو زهرة
1753
زهرة التفاسير
وإن زكاء النفس بمداومة الصدق يؤدى إلى سلامة الاعتقاد ، وصحة العمل ، وإلى المداومة على تعرف عيوبها ، فيكون الصدوق سليم النظر في كل شئ لم يلبس بباطل ، وبذلك يكون الصديق لا يتأتى منه الكذب ، ويسلم قلبه كما سلم لسانه ، ويصح اعتقاده كما يصلح عمله . والفريق الثالث من قافلة البر ، هم الشهداء ، وهم الذين شهدوا الحق وعلموه علما كعلم المعاينة والمشاهدة ، فهؤلاء يشهدون بالحق ، ويعلنونه ويدعون إليه ، فهم الذين قال الله تعالى في أمثالهم : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ( 143 ) [ البقرة ] ، فهم حضور الحق والشاهدون به والداعون إليه ، وإن من أولئك بلا ريب الذين يقتلون في الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الحق ، قاصدين وجه الله بقتالهم ؛ لأنهم شهدوا الحق وأعلنوه ، وضربوا الأمثال على افتدائه بأنفسهم ، وشهد الله تعالى لهم بالجنة . والفريق الرابع الصالحون ، وهم من صلحت نفوسهم وأعمالهم ، فهم صالحون في الباطن والظاهر . هذه القافلة المكونة من هذه الطوائف الأربع ، هم أهل الإيمان حقا وصدقا ، وهم رفقاء الخير ، ورفقتهم أحسن النعم ، ولذا قال سبحانه : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً الرفيق هو الصاحب الذي يلازمك في عمل أو سفر ، وسمى رفيقا لأنك ترتفق به وتستعين ، ويعاون كل منكما صاحبه ، ويأتنس به في العمل والسفر والملازمة بشكل عام . والرفيق هنا ذكر مفردا واستعمل في معنى الجمع ، فالمعنى : وحسن أولئك رفقاء ! وإنما أفرد لأن الحسن في ذات الرفقة ، ولأن المصاحبة إفرادية ، فكل واحد يصاحب الآحاد والجميع ، فهم جميعا في معنى رفيق واحد ، لتشاكل النفوس وتوافقها . وقال الزمخشري : إن ( حسن ) في معنى فعل التعجب ، فالمعنى : ما أحسن وأطيب رفقة هؤلاء ! ولذلك كانت نعمة أنعم الله بها على عباده المخلصين . وهي من فضله .