محمد أبو زهرة
1734
زهرة التفاسير
أَ لَمْ تَرَ هذا التعبير قرآني ، وهو استفهام سيق للتعجب والإنكار ، فيه التعجب وتوبيخ الذين وقع منهم هذا الفعل . وأداة الاستفهام دخلت على النفي ، ونفى النفي إثبات . والمعنى : قد رأيت الأمر العجب المستنكر الذي وقع من أولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . والزعم يكون فيمن يقول قولا لا يوجد ما يدل على صدقه ، والمعنى : قد رأيت حال أولئك الذين يدعون كذبا أنهم يعتقدون ويذعنون للذي أنزل إليك من شريعة عادلة وحاكمة بين الناس بالعدل ، وأنهم يؤمنون بالكتب المنزلة وما اشتملت عليها ، ومع ذلك يتركون الحق الواضح البين الذي لا شبهة فيه ، الذي اشتملت عليه شريعتك وما قبلها ، ويتحاكمون إلى الطاغوت ، وهو الطغيان الكثير ، ولعل المراد به هنا الحكم الذي لا يبنى على الحق ، ولا يقوم على أساسه ، وليس له نظام وقانون مقرر ثابت ، يعرف فيه كل واحد من الخصمين ما له من حقوق وما عليه من التزامات . وواضح من النص الكريم أن هؤلاء متصفون بصفتين : أولاهما - أنهم يدعون الإيمان وليسوا بمؤمنين ، إذ قال سبحانه : يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا . وثانيتهما - أنهم في الأصل من أهل الكتاب الذين يدعون أنهم آمنوا بما أنزل على موسى والأنبياء قبله . وبهذا النص الكريم يتعين أن يكون أولئك من المنافقين من اليهود الذين كانوا يظهرون الإيمان ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون ، أو من الضعفاء الذين ليس عندهم من قوة الإيمان ما يحملهم على الخضوع لأحكام الله تعالى . وإن المفسرين قد تكلموا في سبب نزول هذه الآيات ، ورووا في ذلك روايات مختلفة ، وأقربها إلى معنى الآية أن منافقا اختلف مع يهودي ، فأراد اليهودي أن يكون الحكم هو النبي لما يعرف عنه من عدالة وامتناع عن رشوة ، ولأنه يحكم بقانون ثابت لا عوج فيه ولا انحراف ، وأراد المنافق أن يتحاكما إلى غير النبي - قيل إلى كاهن ، وقيل إلى أحد كبار اليهود - وكلا الحكمين لا يمكن