محمد أبو زهرة
2220
زهرة التفاسير
والخاصة الخامسة - أنه « موعظة للمتقين » والموعظة هي التذكير بما يرق له القلب ، وتصفو به النفس ويستقيم به العمل ، فقد قال الخليل بن أحمد في تفسير الوعظ : ( هو التذكير بما يرق له القلب ) والإنجيل كان كذلك ؛ لأنه توجيه بني إسرائيل ومن كان على شاكلتهم من الماديين الذين أركستهم المادة واستولت على قلوبهم - إلى الحياة الروحية ، والتهذيب النفسي ، وجعل الروح هي المسيطرة من غير ترك لحظوظ الدنيا المباحة التي لا تستغرق النفس . ومن أجل ذلك وصف بأنه موعظة ، ولكن لا يستفيد منه إلا الذين امتلأت نفوسهم بالخوف ورجاء ما عند الله ، وهم طالبو الحق المهتدون ، لأنهم هم الذين يستفيدون من العلم الذي يلقى ، فالنفوس أقسام ثلاثة : قسم يطلب الحق ، ويثمر فيه بيانه ، وقسم يجمد على ما عنده ، ويكون صلدا لا ينفذ العلم إلى قلبه ، إذ تحول بينه وبينه غشاوة من الباطل فهو أغلف ، وقسم متردد حائر ، تسيره الأجواء التي تحكمه وتسيطر عليه ، ولا شك أن الذي يستفيد من المواعظ هو طالبها المتقبل لها ، الذي تتشبع نفسه منها ، وأولئك هم المتقون ، وأما القسم الثالث ، فإنه ترجى له الهداية رجاء غير محقق ، وإن مثل العلم النافع لمثل الغيث لا ينتفع منه إلا الأرض الطيبة التي تخرج نباتها بإذن ربها ، والعلم لا ينتفع به إلا القلوب الطاهرة التي لم ترنقها أغراض الدنيا وأهواؤها . وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ . في هذا النص الكريم قراءات نذكر منها قراءتين في قوله : « وليحكم » : أولاهما - قراءة حمزة بكسر اللام وفتح الميم « 1 » ، وتكون اللام للتعليل ، ويكون في مقام العطف على ما سبق ، لأنه في معنى التعليل ، ويكون المعنى على هذه القراءة : ( وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين . وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل فيه ) ، وأهل الإنجيل هم من عاصروا المسيح عليه السلام ، ومن
--> ( 1 ) قرأها بكسر اللام وفتح الميم حمزة ، وقرأ الباقون بإسكان اللام والميم . غاية الاختصار - أبو العلاء الهمذاني العطار ج 2 .