محمد أبو زهرة

2218

زهرة التفاسير

تعالى ، والبشارة بمجيء نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم والتعبير ب « آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ » فيه إشارة إلى تقوية ما جاء به ، وإشارة إلى أنه ليس كل ما في التوراة نافذا وإن كان جله نافذا ، وخصوصا ما يتعلق منه بتنظيم المجتمع في كل درجاته من الأسرة الصغرى إلى الأسرة الكبرى ، وهي الإنسانية في أقاليم الأرض ، فالإنجيل قد جاء بشريعة متممة لما جاء في التوراة من غير نقض لها . وقد وصف الله سبحانه الإنجيل بأوصاف ثلاثة ، وبين أنه مشتمل على أمرين ، وجملة ما ذكر القرآن الكريم - تعالت كلمات الله - أن فيه خواص خمسا ؛ وهي أن فيه هدى ، وأن فيه نورا ، وأنه مصدق للتوراة ، وأنه هو ذاته هدى ، وأنه موعظة للمتقين . ولنتكلم بكلمات موجزات في معاني كل خاصة من هذه الخواص ، لتتبين المغايرة بينها ، ولتتميز كل خاصة عن أخواتها وإن كانت متقاربة في معانيها ، ومتلاقية في غايتها : والخاصة الأولى - أن فيه هدى ؛ أي أنه اشتمل على الهدى ، وهو الدلالة الحق على تنزيه الله تعالى ووحدانيته ، وأنه المستحق للعبادة وحده ، وأنه ليس بوالد ولا ولد ، وأن عيسى هو ابن مريم وحدها ، ونسبه إليها ، وليس له لله تعالى نسبة إلا أنه خلقه بكلمة كن فيكون ، فهو بهذا المعنى كلمة الله تعالى ، وقد ألقاها إلى مريم ، وروح القدس وهو جبريل الذي بلغها ، وفيه بيان أن عيسى - عليه السلام - رسول الله تعالى وقد خلت من قبله الرسل . وهذه الهداية تقرير للحقيقة الثابتة من مبدأ الوجود ؛ لأنها تدل على صفات منشئ هذا الوجود . أما الخاصة الثانية - فهي أنه مشتمل على نور مرشد موجه هاد ، فإذا كانت الخاصة الأولى مقررة لأمر ثابت قد وقع ، فالخاصة الثانية مثبتة لأمر آخر يتعلق بالمستقبل ، وهو أنه يضئ وينير لتمييز الحق من الباطل ، وبين ما جاءت به رسالة