محمد أبو زهرة

2216

زهرة التفاسير

- بعيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - مقتفيا آثارهم مصدقا لما بين يديه من التوراة . . . وهنا بحوث لفظية تتبين من ذكرها معاني النص الكريم : أولها - في معنى « قَفَّيْنا » ، فقد قال علماء اللغة ومفسرو البيان : إن « قفى » معناه عقب ، ويقال قفيته بكذا أي أتبعته به ، وهنا نجد المفعول محذوفا ، فلم يكن النص قفيناهم بعيسى ابن مريم ، وحذف لأن كلمة عَلى آثارِهِمْ تدل على المحذوف ، إذ إن المحذوف هو النبيون السابقون الذي يحكمون بالتوراة ، وكلمة « عَلى آثارِهِمْ » تدل على أنهم هم الذين اقتفيت آثارهم . وذكر كلمة « عَلى آثارِهِمْ » تدل على أن عيسى - عليه السلام - لم يكن بدعا من الرسل ، بل سبقه آخرون سلك مسلكهم في إقامة التوراة وما بقي منها غير منسوخ بحكم ما جاء في الإنجيل ، وآثار أولئك النبيين هي الحكم الخالص لله الذي اتبعوه في تنفيذ أحكام التوراة ، فآثارهم معنوية وليست مادية . وقال علماء الاشتقاق في اللغة : إن كلمة قفى مأخوذة من القفا ، وهو مؤخر الرقبة ، يقال : قفا أثره إذا جاء من ورائه واتبعه في سيره حسا ، ثم صار يطلق على السير وراءه معنى ، كالشأن في كثير من الألفاظ التي تدل على معان حسية ، فإنها تنتقل من بعد إلى مدلولات معنوية . ثاني الأمور البيانية - هو في ذكر عيسى في القرآن مقرونا بكلمة « ابن مريم » ؛ لأن ذلك يتضمن ولادته الحسية منها ، وأنه قد تكون جسمه من جسمها كسائر كل المولودين من أمهاتهم ، وفي ذلك إشارة إلى أنه محدث ككل المحدثات ، وأنه كان من بعد أن لم يكن ، وأنه لا نسب له إلا من جهة أمه البتول عليها وعليه السلام ، فليس له أب ، وليس ابن الله تعالى ، بل هو ابنها وحدها ، ولا نسب له إلا إليها . ثالثها - قوله تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ . وتصديق سيدنا عيسى للتوراة ، لأنها كتاب في أصلها منزل من عند الله تعالى ، فعيسى عليه