محمد أبو زهرة

2204

زهرة التفاسير

والربانيون ، الذين اقتفوا أثر النبيين ويكون معنى وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا . لا تستبدلوا بأحكام آياتي ، فتتركوها هاجرين لها معرضين عنها ، في نظير رشوة أو ممالأة ، فإن ما يكون ثمنا لترك الآيات قليل مهما يكن مقداره ، ومهما يكن اعتباره ، فآيات الله تعالى أغلى ما في الوجود ؛ لأنها هدايته . ولكن الخطاب « لا تخشوا » ، و « أخشوا » ربما يكون أعلى من أن يكون لليهود الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام فقد وصفهم الله تعالى بأنهم سماعون للكذب أكالون للسحت ؛ ولذلك أحيل إلى ما روى عن الحسن البصري من أن الخطاب للمؤمنين ، فهم الجديرون بخشية الله تعالى ، وهم الجديرون برفعة هذا الخطاب ، وربما كان ما روى عن ابن مسعود من أن الخطاب عام للناس أجمعين هو الأسلم ، وهو ما تدل عبارة صاحب الكشاف . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ الإشارة في قوله تعالى : فَأُولئِكَ للذين لا يحكمون بما أنزل الله ، فهي إشارة تفيد أن النتيجة سببها الفعل ، وهو تجنب حكم الله تعالى ، وقد أكد سبحانه الحكم بالكفر عليهم بهذه الإشارة وبالجملة الاسمية ، وبالفاصل ( هم ) ؛ وبالقصر إذ هم مقصورون على الكفر ، والكفر مقصور عليهم قصرا إضافيا ، بمعنى أنهم بلغوا في الكفر أقصاه ، حتى لا يعد كفر غيرهم بجوار كفرهم شيئا مذكورا . وهل يعد كل من يحكم بغير حكم الله تعالى الذي أنزله على رسله كافرا ؟ يظهر لي أن الذي يحكم بغير حكم الله مستهينا به مستنكرا له ، وقد يبلغ به الاستنكار درجة التهكم عليه يعد كافرا ؛ لأن ذلك جحود وإنكار أو استهزاء بآيات الله إن كان يعلم أنها من عند الله تعالى ، ويستنكر مؤداها ، ومن جحد أحكام القرآن فقد كفر ، وقد قال في ذلك عبد الله بن عباس : « من جحد حكم الله كفر ، ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق » وبذلك يكون هذا النص واردا فيمن حكم بغير حكم الله تعالى منكرا . . اللهم املأ قلوب قومنا بالإيمان حتى يألفوا حكم الله ، ويرتضوا كتابه حكما بينهم ، ولا يجدوا حرجا في حكمه ، إنك خير الحاكمين .