محمد أبو زهرة
2179
زهرة التفاسير
لأن من صفاته أنه غفور كثير الغفران يتجاوز عن السيئات ، ويكافئ على الحسنات ؛ لأن ذلك مقتضى رحمته ، وهو الرحيم الدائم الرحمة ، وقد أكد سبحانه ذلك فضل تأكيد ب « إن » ، وبإعادة لفظ الجلالة . وقد أشرنا من قبل إلى أن كثيرين من الفقهاء يقولون : إن التوبة تسقط الحد ، وكانت هذه الآية الكريمة : فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ من شواهد ذلك . والقول الجلى في هذا أن التوبة قبل الترافع إلى السلطان إذا صحبها رد المسروق إلى مالكه تمنع إقامة الحد بالاتفاق ، ولكن الخلاف القائم بين الفقهاء في التوبة إذا كانت بعد الترافع وإثبات السرقة ، فقد قال أبو حنيفة ومالك : إن التوبة لا تسقط الحد ؛ لأن الأمر بالقطع عام يشمل التائب وغير التائب ، والتوبة المنصوص عليها في هذه الآية هي ما يكون بعد إقامة الحد وقطع اليد ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا قطعت يد السارق فتاب سبقته يده إلى الجنة ، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار » وفوق ذلك فإن التوبة في السرقة كالتوبة في الزنى لا تسقط ( الحد ) « 1 » ، ولقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم حد الزنى ، وقال في امرأة أقام عليها الحد : « لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم » « 2 » . وفوق هذا وذاك الحد كفارة للذنوب في الدنيا والكفارات تجب مع التوبة .
--> ( 1 ) عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه : « أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارقا ، ثم أمر به فحسم ، ثم قال : تب إلى الله ، قال : أتوب إلى الله ، قال : اللهم تب عليه ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن السارق إذا قطعت يده وقعت في النار ، فإن عاد تبعها ، وإن تاب اشتلاها - يعني : استرجعها - » . [ الجامع للسيوطي ج 21 ، ص 431 ( 20011 ) ] . ( 2 ) عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى فقالت : يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي ، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال : « أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها » ، ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها ، فقال له عمر : تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت ؟ فقال : « لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى » . [ رواه -