محمد أبو زهرة
2175
زهرة التفاسير
( د ) سرقة الأرحام المحارم بعضهم من بعض فإنها عند الأكثرين من الفقهاء فيها شركة أوجبتها القرابة ، وجعلت المحرمية مقياسا بهذه القرابة التي توجد الشركة المالية من بعض نواحيها . وهكذا نجد الحد يضيق تطبيقه إذا كان للسارق نوع حق في المال المسروق ، ولو كان ضعيفا ، وأنه كلما اتسع نطاق الموانع لإقامة الحد ضاق تطبيقه ، وإننا لو أردنا أن نقيم حد السرقة في حال أجمع الفقهاء على وجوب إقامته فيها لوجدنا العدد يضؤل ويضيق النطاق ، حتى إننا نجد أنه في كل عشرة آلاف حالة سرقة لا تقطع يد واحدة ، وإنها كافية للردع والزجر في ألوف الألوف ، وقد ثبت أن ما دونها لا يزجر مثلها ، ولو في هذا النطاق الضيق ، والله عزيز حكيم يضع العقاب في موضع الداء ، فيحسمه القليل ، ولا يحتاج فيه إلى الكثير ، إنه خبير بما يعملون . وإن الفقهاء الذين قرروا أن السرقة لا بد أن تكون من حرز ، وأن يخرج بها السارق من الحرز ، وألا يكون قد دخل ذلك بإذن أهله بأن يكون منتهكا للحرمات ، قد قرروا كما رأيت إعفاء السارقين من العقاب إذا كانت الأموال لهم شبه حق فيها ، وذلك كأموال بيت المال عند الأكثرين وأموال الآباء والأبناء ، وأموال الأقارب بعضهم مع بعض والزوجة مع زوجها . كذلك قرروا أن بعض الأموال لا يجرى فيها قطع اليد ، كالأموال التي تكون مباحة ، ونالها بالاستيلاء مالكها ، فقد قال الأكثرون : إنه لا قطع فيها ، وأجمعوا على أن مال المحوز إذا سرق لا قطع فيه ، وذلك لأن الشركة الطبيعية لا تزال قائمة ولو بطريق الشبهة ما دام المالك هو المستولى . ولقد قال بعض الفقهاء : إنه لا قطع في الأموال غير القابلة للادخار أي التي يتسارع إليها الفساد ، كاللحم والفاكهة الرطبة واللبن والخضر غير القابلة للادخار ؛ وهكذا ، فقد قال أبو حنيفة ومالك والثوري : لا قطع في هذه الأموال ، والشافعي وأحمد ومن تبعهم أجازوا القطع في هذه الأمور .