محمد أبو زهرة
2173
زهرة التفاسير
أولهما - أموال بيت المال ، فقد قرر الأكثرون أنه لو أخذ مسلم من بيت المال لا يقطع ، ولنترك الكلمة لابن جرير في هذا الموضوع فهو يقول : « لا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلما ، ويروى ذلك عن عمر وعلى رضي الله عنهما ، وبه قال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي ، وقال مالك وحماد يقطع بظاهر الكتاب ( أي النص وهو وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ولنا ما روى ابن ماجة بإسناده أن عبدا من رقيق الخمس ( أي الخمس المخصص لبيت المال من الغنائم ) سرق من الخمس ، فدفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه ، وقال : « مال الله سرق بعضه بعضا » « 1 » ، ولأن له في المال حقا ، فيكون شبهة تمنع وجوب القطع ، كما لو سرق من مال له فيه شركة . ونرى أن الذين أقاموا الحد طبقوا النص باعتبار أن السرقة قد تحققت ، فوجب تحقيق العقاب ، وأن هذا المال مال الله ومال الله تعالى أوجب أن تراعى حرمته ، ولأن إهمال الحد فيه معنى إباحته ، وذلك لا يجوز . والذين لم يقيموا الحد ، وهم الأكثر عددا بنوه على أساس أن لكل مسلم حقا فيه ، فهو مال الجماعة كلها ، وإذا كان كذلك فللآخذ حق أو شبهة حق ، والحدود تسقط بالشبهات . وإن الرأي الذي يوجب الحد أحرى بالقبول ، حتى لا تكون أموال الأمة نهبا للناس ينالونها من غير أي حريجة دينية ، ويحسبون أنهم يأخذون حقا لهم ، وإن لم يكن مقسوما ، فالأولى بالحماية مال الله حتى لا تمتد إليه الأيدي الآثمة ، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم الحد على الرقيق الذي كان غنيمة إذ أخذ منها ؛ لأن الحرز لم يكن ثابتا بالنسبة له ، وللرفق بالرقيق الذي لم يكن على علم بالشرع وما يجب عليه ، ولأن حماية مال الدولة أوجب رعايته ، لأن ما سرقه من حيث القيمة دون ما ينقص من قيمته بقطع يده ، وفوق ذلك نتلف جزءا من بيت المال بإتلاف جزء
--> ( 1 ) عن ابن عباس أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه ، وقال : « مال الله عزّ وجل سرق بعضه بعضا » . رواه ابن ماجة : الحدود - العبد يسرق ( 2590 ) . والخمس أي خمس الغنائم المفروض لله ورسوله .