محمد أبو زهرة
2171
زهرة التفاسير
ولقد روى عن الإمام أحمد بن حنبل : أنه عد من السرقات جحود العوارى « 1 » والودائع ؛ لأنه ثبت أن المخزومية التي قطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها ، كانت تجحد ما تستعيره من الناس « 2 » . وإن ذلك غير الرواية الراجحة عن الإمام ، بل إن الرواية الراجحة مع الجمهور ، والحق هو أنها لا تعتبر سرقة وإلا اعتبر جحود الحقوق سرقة موجبة للقطع ؛ لأنه لا فرق بين جحود العوارى والودائع ، وجحود الديون وسائر الحقوق المالية . وإن الفارق بين السرقة وجحود العوارى كبير ، فإن السرقة أخذ ، وهذه منع للحقوق ، والفرق بين المنع والأخذ كبير ، وهذه أخذت بتمكين من المالك ، والسرقة أخذ بغير تمكين من المالك . هذا هو أصل معنى السرقة في ذاته ، وهذا القدر قد اتفق عليه العلماء في الجملة ، وقد اختلف العلماء من بعد في الشروط الواجبة للحد ، ولنذكر بعض هذا الاختلاف : * فقد اشترط أكثر أهل العلم لتحقق السرقة الموجبة للقطع أن يأخذ المسروق ويخرج به من مكان حرزه ، ومقتضى تحقق السرقة مع هذا الشرط ، أن يدخل ويأخذ مستخفيا ، ويخرج من المكان الذي فيه المال إلى خارجه فإن ضبط قبل أن يخرج به لا يقام عليه الحد . وقد خالف في اشترط الخروج بالشئ من حرز - إبراهيم النخعي التابعي ، وفقهاء أهل الظاهر . * وقد اشترط الحنفية وبعض الفقهاء أن يكون الدخول إلى مكان الحرز بغير إذن صاحبه ، فلو كان بإذنه وسرق لا تقطع يده ، فالضيف إذا سرق من مضيفه لا تقطع يده ؛ لأنه دخل بإذنه ، فلم يحدث هتك حمى الحرز وكأن هؤلاء يشترطون
--> ( 1 ) العواري : جمع عارية ، وفي القاموس المحيط ( عور ) : والعارية ، مشددة وقد تخفف ، والعارة : ما تداولوه بينهم . الجمع : عواري ، مشددة ومخففة . ( 2 ) عن سعيد بن المسيب أن امرأة من بني مخزوم استعارت حليا على لسان أناس فجحدتها فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت . رواه النسائي : قطع السارق - ما يكون حرزا وما لا يكون ( 4892 ) .