محمد أبو زهرة
1725
زهرة التفاسير
مطلوب منها العدل ، فلا تختار لهوى ، أو لعطاء ، أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها . وهي محكمة في حاكمها فلا تقول فيه إلا حقا ، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه ، ولا تشتط في نقده ، ولا تسكت عن نصيحته . فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » « 1 » . والعدل معناه في أصل اللغة المثيل ، وأطلق في مقام الحكم بمعنى أن يكون الحكم مساويا لما يستوجبه ، فإذا ارتكب شخص جرما كان الحكم النازل مساويا للجرم المرتكب ، وإذا كان الحكم بدين وجب أن يكون مساويا لما أخذ من غير زيادة ، وهكذا . وإن العدل أنواع مختلفة ، وله وسائل متباينة ، وإذا كان مطلوبا في ذاته فوسائله يجب أن تتحقق فيها العدالة أيضا ، وأخص أنواع العدالة عدالة القاضي في حكمه ، وهي تتطلب أمورا أربعة : أولها : معرفة حكم الشرع والقانون فيما يقضى فيه . ثانيها : معرفة موضوع القضية معرفة متقص لأطرافها مستوعب لكل أجزائها . وثالثها : أن يبعد الهوى من نفسه ، وأن ينظر دائما نظرا غير متحيز . ورابعها : أن يسوى بين الخصمين في كل شئ ، وقد جاء في تفسير فخر الدين الرازي عن الشافعي ما يأتي : « قال الشافعي - رضي الله عنه - : ينبغي للقاضي أن يسوى بين الخصمين في خمسة أشياء : في الدخول عليه ، والجلوس بين يديه ، والإقبال عليهما ، والاستماع منهما ، والحكم عليهما . . ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته ، ولا شاهدا شهادته ؛ لأن ذلك يضر بأحد الخصمين . ولا يلقن المدعى الدعوى والاستخلاف ، ولا يلقن المدعى عليه الإنكار والإقرار ، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا . وعدالة الحاكم الأكبر تقتضى الرفق بالرعية ، وألا يعمل إلا ما فيه مصلحة ، وأن يمنع الرشوة ، وألا يولى أحدا ممن دونه لهوى أو غرض ! فلا يوسد الحكم لمن
--> ( 1 ) سبق تخريجه من رواية مسلم وغيره عن تميم الداري ، وذكره البخاري في ترجمة الباب .