محمد أبو زهرة
2157
زهرة التفاسير
قال : تحقق أحد الأمرين كاف ، وهو تقديم الطاعة ، أو ترك السلاح ومغادرة المكان إنما لا بد من إفادة دالة على إنهاء قطع الطريق . وفريق قال : لا بد من إلقاء السلاح وتأمين الناس وتقديم الطاعة . ومهما يكن من أمر الاختلاف ، فقد كان الاتفاق على أنه لا بد من إنهاء قطع الطريق بالفعل ، وتأمين الناس ، وإلقاء السلاح . وأما الأمر الثاني المتضمن لآثار التوبة فقد قد فرض الفقهاء حالين للتوبة قبل القدرة عليهم : إحداهما - أن تكون التوبة قبل أن يرتكبوا أي جريمة غير مجرد الحرابة ، فلم يقتلوا ، ولم يسرقوا ، ولم يزنوا ، بل أنابوا إلى الحق قبل أن تسلط عليهم سيوفه . وهؤلاء لا عقوبة عليهم ، لأن الحرابة قد عدلوا عنها ، وهم في فسحة غير مضطرين إذا كانت قبل القدرة عليهم ، ولم يتعلق بهم حق لآدمي وحق الله تعالى موضع عفوه ورحمته ؛ ولذلك قال : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . فهذا النص الكريم يقرر أن الله تعالى قد عفا عنهم ، ولأن الحرابة من غير تنفيذ الجرائم أو واحدة منها يعد شروعا ، أو نية للسيئة قد هموا بها ، وقد عدلوا مختارين عنها بغير قوة غالبة منعتهم . والحال الثانية - أن يكونوا قد ارتكبوا جرائم لها حدود ، ولها قصاص كأن يكونوا قد قتلوا ، أو سرقوا ، أو زنوا على مقتضى مذهب مالك الذي أدخل في الحرابة الاتفاق على ارتكاب أي معصية من غير قصر على القتل والسرقة ، فإذا كان شئ من هذه المآثم ثم تابوا قبل القدرة عليهم ، فهل يسقط حق القصاص ، وهل تسقط الحدود ؟ قال جمهور الفقهاء : إن ما ارتكبوه من الجرائم التي تثبت حق القصاص لا يسقط ؛ لأن القصاص من الحقوق التي يغلب فيها حق العبد ، وحقوق العباد لا تسقط إلا أن يعفو صاحبها . وفي هذه الحال تنتقل العقوبة من حد إلى قصاص ، ولا بد من أن تستوفى شروط القصاص ؛ بأن يطالب ولى الدم ، وله أن يعفو ، وله