محمد أبو زهرة
2148
زهرة التفاسير
القرى والأمصار ، فحيث لا يأمن السابلة الطريق ، ولا يجدون من يسعفهم بدفع الشر عنهم فإن الحرابة تتحقق . وهناك رأى ثالث ، وهو أن الأمصار والقرى تصلح مكانا لقطاع الطريق ليلا ، ولا يصلح نهارا إلا الصحارى والحق الذي نراه متفقا مع مرمى النص الكريم وغايته أنه حيث تحقق الوصف ، وهو محاربة الله ورسوله بمحاربة الآمنين وحيث كانت القوة ، وحيث كان سلطان الشر ، فإن الحرابة تتحقق ، وأننا نراها عيانا بيانا في مدن أمريكا وأوروبا فالعصابات المخربة التي تحارب الأمن هنالك ، وتغير على الآمنين تتخذ أوكارها في وسط الأمصار ، وإن خفيت عن الأنظار . وننتقل بعد ذلك إلى الأمر الثاني : وهو عددهم ونوعهم ، وإنا نقول : إن الذي عليه كثرة الفقهاء أن العبرة في الأمر هو في قوة الإخافة لا في مقدار عدد المنفذين ، ولا في نوعهم أهم ذكور أم إناث ، فلو أن واحدا استقر في كهف ، ومعه سلاح مدمر ، وكل من يمر من الضعفاء ، أو من لا حول لهم ولا سلاح استلب ماله أو نفسه فإنه يعد قاطع طريق ، ولو أن جمعا فيهم ذكور وإناث تعاونوا على الإثم والعدوان وقطعوا الطريق على الآمنين وقاموا بالاستلاب غير مراعين حرمة مال ، ولا عصمة دم ، فإنهم قطاع طريق محاربون . ثالثا - طريقة الإجرام أتكون بالمجاهرة والعصيان أم تكون ولو بالاختفاء ، قال جمهور الفقهاء : إنه لا بد من المجاهرة بالعصيان ، والظهور علنا ، حتى يتحقق معنى الحرابة ، وحتى يتحقق معنى التسليم ، وقال مالك : إنه تصح المحاربة بالاختفاء ، كالاتفاق على القتل غيلة ، والاستيلاء على الأموال بالهجوم على مكامنها خفية كالعصابات التي نسمع عنها ، ويراها شبابنا على شاشة الخيالة ( السينما ) ، والإذاعة المرئية ( التليفزيون ) ، وقد حرر القرطبي في تفسيره رأى الإمام مالك ، فقال : « والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر ، وإن كان بعضها أفحش من بعض ، ولكن اسم الحرابة يتناولها ، ومعناها موجود فيها ، ولو خرج بعصا في المصر يقتل بالسيف ، ويؤخذ فيه بأشد ذلك ، لا بأيسره ، فإنه سلب