محمد أبو زهرة
2146
زهرة التفاسير
وقد التبس - على بعض من لا دراية له بأحكام العقوبات في الفقه الإسلامي - هؤلاء بالبغاة ، والتبس على بعض آخر أمر هؤلاء بأمر الخوارج ، والواقع أن الذين ينقضون النظام أقسام ثلاثة متمايزة متغايرة ، فالبغاة : هم الخارجون ذوو القوة والمنعة الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل ، أي بوجه مسوغ لهم الخروج ، كأولئك البغاة الذين خرجوا على الإمام علي كرم الله وجهه ، والذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لعمار بن ياسر رضي الله عنه : « تقتلك الفئة الباغية » « 1 » وهذه تقاتل حتى تسلم ، كما قال تعالى : . . . فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) [ الحجرات ] . وهؤلاء البغاة لا يستبيحون من الأموال والدماء إلا معسكر السلطان ، إذ هم لا يحاربون غيره ، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا . والخوارج : هم الذين خرجوا على الإمام العادل بتأويل ، ولكنهم لا يستبيحون معسكر السلطان فقط ، بل يعتبرون مخالفيهم في الرأي كافرين ، بل يعتبرونهم مشركين ، وهؤلاء يعاملون معاملة البغاة ، يقاتلون حتى يفيئوا فإذا كانت الفيئة فالإصلاح والقسط ، ورد القضب إلى أجفانها . وقطاع الطريق ، أو أهل الحرابة : وهؤلاء مجرمون يخرجون لارتكاب جرائم السلب والنهب والقتل ، وسائر الموبقات ، بلا تأويل يتأولونه ، ولا تفسير يفسرون ، بل يرتكبون ما يرتكبون إثما وعدوانا مقصودا ، ولا يقصدون إلا العدوان ، كالعصابات الإجرامية التي نراها معتصمة في بعض الجبال أو الكهوف ، وكالعصابات التي تزعج الآمنين بقوة إرهابية . فهي إذن أقسام متمايزة متغايرة ، وما لأحد من بعد أن يخلط ، فيجعل حكم واحدة لأخرى ، ولا وصف واحدة لأخرى .
--> ( 1 ) رواه مسلم : الفتن وأشراط الساعة - لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ( 2916 ) عن أم سلمة رضي الله عنها ، وأحمد : مسند الأنصار - حديث أم سلمة زوج النبي ( 26023 ) .