محمد أبو زهرة

2141

زهرة التفاسير

لأنه إحياء لفرد ، اللهم إلا أن يقال إن مجرد حماية حق الحياة أو احترامه في فرد هو احترام أو حماية له في الناس أجمعين . ولقد قال بعض المفسرين : إن المراد بإحياء النفس حماية نفس الإمام ، ومعاونته على دفع شرور البغاة ، والخارجين عليه ، وإن ذلك سير على أن قتل النفس الذي يكون قتلا للجميع هو قتل الإمام ، وقد بينا أنه غير الأولى . والحق الذي نراه أن المراد بإحياء النفس ، هو بالتمكين من القصاص ؛ لأن الله تعالى قال : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ . . . ( 179 ) [ البقرة ] . فإحياء النفس المقتولة بالقصاص لها ممن اعتدى وقتلها ، وقد وجدنا الآلوسي ذكر ذلك الرأي فقال : « وقيل المراد ، ومن أعان على استيفاء القصاص فكأنما . . . إلخ « 1 » . وبهذا يتبين بوضوح الأمر الثاني ، وهو أن من أحيا نفسا قد قتلت بالتمكين من القصاص لها فقد أحيا نفوس الناس جميعا ، بأن يوجد الردع العام عن القتل والاعتداء ، فتحيا النفوس ، وينقمع الأشرار ، وهذا ما أشار إليه ما تلونا من قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ . . . ( 179 ) [ البقرة ] . وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ يخبر الله سبحانه وتعالى أن الله تعالى أرسل الرسل لبنى إسرائيل يبينون لهم الحقائق التي يقوم عليها بناء المجتمع السليم الذي تحمى فيه الدماء والأعراض ، والفضيلة الإنسانية ، والتي تشتمل على ما كتبه الله تعالى من أجل اعتداء أحد ابني آدم على أخيه من غير ظلم وقع منه ولا باعث على ما ارتكب إلا الحسد والحقد .

--> ( 1 ) قال الآلوسي ( ج 6 ، ص 117 ) : وَمَنْ أَحْياها أي تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من القتل والفساد إما بنهي قاتلها عن قتلها . أو استنقاذها من سائر أسباب الهلكة بوجه من الوجوه فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ، وقيل : المراد ومن أعان على استيفاء القصاص فكأنما إلخ » . ا ه أي : فكأنما أحيا الناس جميعا .