محمد أبو زهرة

2140

زهرة التفاسير

وقد أشار إلى هذا المعنى ابن كثير ، فقال في تفسيره للقرآن العظيم : من قتل نفسا واحدة بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية ، فكأنما قتل الناس جميعا . . . وعن أبي هريرة قال : ( دخلت على عثمان يوم الدار ، فقلت : جئت لأنصرك ، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين ، فقال : يا أبا هريرة ، أيسرك أن تقتل الناس جميعا ، وإياي معهم ؟ قلت : لا ، قال : فإنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا ، فانصرف مأذونا لك مأجورا ، غير مأزور ، قال فانصرفت ولم أقاتل ) . وروى عن سعيد بن جبير أنه قال : من استحل دم امرئ فكأنما استحل دم الناس جميعا ، ومن حرم دم امرئ ، فكأنما حرم دماء الناس جميعا . الثانية - أن وزر من قتل نفسا واحدة ، كوزر من قتل ألفا . الثالثة - أن عقاب قتل نفس كعقاب قتل الأنفس ، وهو في الدنيا بالقصاص العادل ، وفي الآخرة بعذاب جهنم ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ( 93 ) [ النساء ] وإذا كان قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا ، فإحياؤها كإحياء الناس جميعا ؛ ولذا قال سبحانه : وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً . في هذا النص السامي نتكلم عن أمرين : أولهما - معنى إحياء النفس ، وثانيهما - معنى تشبيه من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا . أما الجزء الأول وهو معنى الإحياء ، فقد ذكر العلماء له معاني كثيرة ، منها أن إحياءها بمعنى تحريم قتلها على نفسه ، والامتناع عن انتهاك حرماتها ، ولكن ذلك أقرب إلى المعنى السلبي ، اللهم إلا أنه يقال : إنه كب نفسه عن ذلك الفعل الأثيم عندما تساوره قوة الشر دافعة خاملة له ، فإن الكف حينئذ ليس عملا سلبيا ، بل هو عمل إيجابي ، ومنها أن معناها : من أنقذ إنسانا كان مشرفا على الهلاك في حرق أو غرق ، أو مصاولة إنسان أو حيوان ، فإن ذلك إحياء له ، ولكن مع سلامة هذين المعنيين لا يمكن أن يكون تشبيه من يفعل ذلك سلبا أو إيجابا بإحياء الناس جميعا واضحا ،