محمد أبو زهرة

2131

زهرة التفاسير

بالحسد ، وأحس بأنه خسر أخاه الطيب الطاهر العفيف ، وأحس بغضب الله تعالى ، وذلك هو الخسران المبين ، وهكذا صار ممن غلبت عليه شقوته ، وامتلأت نفسه بالحسرة على سوء ما فعل . وهنا إشارة بيانية ، وهي في التعبير بقوله تعالى : فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ . فإن مؤداه أنه صار في زمرة الخاسرين الذين كسبوا السيئات وأركست نفوسهم في مهاوى الخسران ، وأصبحوا ، ولا منجاة لهم ، ولا بقاء ؛ لأنهم نزلوا إلى قاع الهاوية ، بارتكاب أعظم الجرائم بإصرار وتصميم . فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ هذا الكلام يتضمن معاني سبقته ، ولم يذكرها القرآن الكريم ، لأنها تفهم من المعنى والسياق من غير حاجة إلى الذكر ، ولا يدرك المعنى ولا يستقيم إلا بتقديرها ، وذلك أن القاتل بعد أن ارتكب الجريمة ، وأحس بالخسارة الشديدة التي نالته ، لم يرد أن يترك أخاه تنهشه السباع ، أو تنقره جوارح الطيور ، ولا أن يترك جسمه ملقى ، وألهم بالفطرة أنه لا بد من مداراة جسمه ، وستره ، وإبعاده عن الأنظار ، لأنه بعد موته صار جسمه كله سوأة يسوء النظر إليها ، ولا تألف الطباع السليمة رؤيته ، فالمراد بالسوءة الجسم كله بعد موته ؛ لأنه يسوء النظر ، وخصوصا بعد أن تتحول حاله ويتعفن ، وقد استيقظت الأخوة في نفسه ، بعد أن خبت أمدا ارتكب فيه جريمته . اتجه الأخ القاتل لمواراة جثة أخيه أي سترها ، وقد أراد الله تعالى أن يعلمه ذلك ، فبعث غرابا ، ومعنى بعثه أنه أفهمه أن يفعل ذلك ، وقد رأى ذلك الغراب الملهم غرابا آخر ميتا ، وأراد أن يستره عن الأنظار ، فأخذ يبحث في أرض أي يثيرها ويحفرها برجليه ، حتى أوجد حفرة تسع الغراب الميت ، فوضعه فيها ، فكان هذا إعلاما للقاتل بالطريق التي يوارى بها جثة أخيه . وقد فهم بعض المفسرين من الآية أنه لم يكن ثمة غراب قد مات ، أو قتله صاحبه ، ولكنه رأى الغراب يبحث في الأرض عن شئ من الأشياء ليدفنه ؛ لأن