محمد أبو زهرة
2123
زهرة التفاسير
أحدهما وعدم تقبل من الآخر ، فكان من وراء ذلك الاعتداء الشنيع من الذي لم يقبل قربانه ، والقربان العبادة التي يتقرب بها إلى الله تعالى ، وهي تطلق في أكثر أحوال العبادة على الذبائح التي يتقرب إلى الله تعالى بذبحها ، كذبح الهدى في مكة . والتقبل معناه القبول بقوة من القابل سبحانه ، فهو قبول ورضا وترحيب ، وقد ذكر اللفظ في الإثبات لمعنى القصد الطيب والنية الحسنة من الابن الصالح ، وذكر اللفظ في النفي بقوله سبحانه : وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ . للمقابلة بين النفي والإثبات ؛ لأن قربان ذلك الآثم لم يقبل أصلا ، فنفيه منصب على أصل القبول ، لا على وصفه . وكان عدم قبوله لسوء نيته ، ولنقص تقواه ؛ ولأنه قصد الخبيث من ماله وأراد به التقرب ؛ ولأنه قصد المباهاة والفخر ، ولم يقصد وجه الله ، ولأن قلبه متأشب بالآثام كما تبين من سوء فعله وخبثه ، وعدم رحمته من بعد ذلك ، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن أحدهما لم يتقبل قربانه ، ولم يبين سبحانه كيف عرف أنه لم يقبل ، ولقد ذكر العلماء كلاما في هذا ، فقيل إن القربان تنزل عليه نار فتأكله ، والآخر لا تنزل عليه نار ، وقد علم القبول بهذه الأمارة ، وقال آخرون : إن ذلك كان بوحي أوحى إلى نبي هذا الزمان ، وعندي أن ذلك كان برؤيا صادقة أو بحال المتصدق في نفسه ، وقد علم من حاله أن تصدقه غير مقبول ، وقد يكون بإخبار نبي الزمان إن كانا غير ولدى آدم الصلبيين « 1 » . وكانت نتيجة ذلك أن كان بين الأخوين تلك المجاوبات الكلامية ثم الجريمة الكبرى التي هي أعظم ما ظهر من جرائم في الوجود الإنسانى ، ولنذكر المجاوبة بين التقى المؤمن العادل السمح ، والفاجر الباغي الظالم الحاسد ، قال : لَأَقْتُلَنَّكَ . تلك كلمة الظالم الآثم الذي خلا قلبه من كل شعور بالحق ، فلم
--> ( 1 ) روى البخاري ومسلم عن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل » .