محمد أبو زهرة
2121
زهرة التفاسير
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 27 إلى 29 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) هذا النص القرآني فيه تعليل لما كان من اليهود من قبله من بسط أيديهم بالأذى للنبي صلى الله عليه وسلم ونقضهم المواثيق ، وقتلهم للنبيين ، وادعائهم الكاذب الفضل على الناس ، فإن علة ذلك هو الحسد الكمين في نفوسهم والحسد قديم في الخليقة قدم الإنسان فيها ، فهذا أحد ولدى آدم يحسد أخاه ، حتى في العبادة التي تقتضى تنقية النفوس وتقوى القلوب ، وذلك دليل على كمون الحسد في بعض النفوس مما لا علاج له إلا الصبر على الذين تصيبهم هذه الآفة ، كما صبر الأخ الذي قتله أخوه ، فإذا كان في النصوص بيان لآفة الحسد ، ففيها أيضا بيان لحلية الصبر والصفح والرضا بما يقدره رب العالمين من أذى المؤذين ، والإخلاص لله تعالى . وكل هذا فيه عزاء للنبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الصبر ، كما قال تعالى : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) [ النحل ] . وكما أن في النص تعليلا لما سبقه ففيه تمهيد لما يلحقه ، فإنه سيجئ بعد ذلك عقوبات رادعة للذين يعيثون في الأرض فسادا ، ويخرجون ، ويقتلون الأنفس البريئة ، ويزعجون الآمنين بالسرقات والاختطاف ، ففي هذا النص يبين قسوة المعتدى ليتبين استحقاقه هو وأمثاله من عقاب ردعا وزجرا ، ونكالا يمنع غيرهم من العبث ؛ ولذلك كانت الآية التي أعقبت هذا النص فيها بيان لسببيته في شرعية