محمد أبو زهرة

2119

زهرة التفاسير

الفرق معناه الفصل بين شيئين أو شخصين فصلا حسيا أو معنويا ، كما قال تعالى : . . . لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . . . ( 285 ) [ البقرة ] . والمراد هنا والله أعلم ؛ اجعل بيننا وبينهم فارقا في الحكم وهو العدل بيننا وبين هؤلاء الفاسقين ؛ لأننا لا نرضى بما يفعلون ، ولسنا معهم في الإحساس وهذا التخاذل ، فلسنا منهم في هذا ، وليسوا منا في شئ وافصل بيننا وبينهم في الآخرة ، كما فصلت في الحكم بيننا وبينهم في الدنيا ، والمؤدى من قول سيدنا موسى هذا هو أنه يبرئ نفسه منهم ، ومن عملهم وخذلانهم ، والفاسق هو الخارج المنفصل بالحس أو المعنى ، والمعنى : أفرق بيننا وبين هؤلاء الذين خرجوا عن الطاعة ، وعن مناط العزة ، ورضوا بالذلة والهوان . ولا شك أن هذه الجملة تدل على ألم موسى ، واستنكاره لما هم عليه ، فقال تعالى : قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ . القول هنا هو قول الله تعالى ، كما يدل على ذلك الحكم الذي حكم به ، فإنه لله تعالى وحده ، وكما يدل عليه من بعد ذلك قوله : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . والفاء في قوله تعالى : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ هي فاء الإفصاح ، أي التي تفصح عن شرط مقدر ، والمعنى : أنهم إذا كانت حالهم كذلك من الخور ، وضعف العزيمة ، والخوف من أعدائهم فإنهم لا يدخلون الآن لضعف بأسهم وشكيمتهم ، فإنها محرمة عليهم تحريما واقعيا ، لا تحريما حكميا تكليفيا يتيهون في الأرض ، أي يكونون في الأرض تائهين متحيرين يضطرب عيشهم وحياتهم ، ولا يستقر مقامهم ، بل يعيشون فرادى هائمين على وجوههم ، حتى يتربى البأس في قلوبهم . هذا خلاصة معنى النص الكريم ، وهو يدل على أن الله تعالى بسنته التي سنها سبحانه وتعالى في الكون لا يمكنهم من أن يدخلوها إلا إذا غيروا ، وبدلوا حالهم من بعد الضعف قوة ، ومن بعد الخور عزيمة : . . . إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ