محمد أبو زهرة
2118
زهرة التفاسير
ويقول الحطيئة : دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى « 1 » فهم قد وصفوا أنفسهم بأقبح ما توصف الجماعات الطامحة : ولقد أحس موسى القوى الأمين بالعبء الذي ألقى على هذه الجماعة وتخاذلها عن حمله ، فتقدم إلى ربه بالمعذرة يرجو بها المغفرة ، فقال ما حكاه الله تعالى عنه : قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ابتدأ موسى عليه السلام قوله بالاتجاه إلى ربه الذي خلقه ورباه وكون جسمه ونفسه ، وذلك بالضراعة إليه ، وبيان أنه أعلم بحاله ، وأنه في طاعته لا يخرج عنها ، ثم قرر المعذرة ، وهو أنه لا يملك من أمرهم شيئا ، وإنما الأمر كله إلى الله تعالى ، وأنه لا يستطيع أن يجعل من ضعف نفوسهم قوة ، ولا من استخذائهم عزة ، ولا من تقاعدهم همة ، ولا يملك إلا نفسه وأخاه ، فهو لا يضمن إلا إياهما ، وهما وحدهما لا يملكان الدخول إلى هذه الأرض ، والمراد بأخيه سيدنا هارون عليه السلام ، وقد أكدت المعذرة ب « إن » وبالقصر ، وعبر عن هارون بأخيه للإشارة إلى قوة إحساسه بأنه معه في طاعة ربه وعدم عصيانه فيما أمر « 2 » . وإذا كانت تلك حاله ، فهي مفترقة عن حال الذين معه ؛ ولذلك الافتراق عنهم ما حكاه الله تعالى : فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ .
--> ( 1 ) في البيت أمران يراد منهما التوبيخ ، أو التحضيض . ومعنى الطاعم الكاسي : من كفي طعامه وكساءه ، فاكتفى ولم يسع للمكارم . ( 2 ) عن طارق بن شهاب قال : سمعت ابن مسعود يقول : شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به ؛ أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال : « لا نقول كما قال قوم موسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك » ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره ، يعني قوله . رواه البخاري : المغازي ( 3952 ) .