محمد أبو زهرة
2115
زهرة التفاسير
أما الأول - فقد قال تعالى فيه أنهم « يَخافُونَ » ولم يذكر الأمر المخوف ، ولذلك كان للعلماء في تقدير المفعول تخريجان : أحدهما - أن يقدر المحذوف في الذكر هو الله سبحانه وتعالى ، والمعنى يخافون الله ويتقونه ، ويرجحون تقواه ، والخوف من عصيانه على الخوف من أعدائه ، ولو كان ذوى بطش شديد ، أو جبارين في الأرض ، فكل قوة مهما عظمت تصغر بجوار قوة الله تعالى . والتخريج الثاني - أن يكون المعنى يخافون الأعداء ويقدرون قوتهم ، ولكن أنعم الله تعالى عليهم بطاعة الله تعالى . وذكر الزمخشري وجها آخر ، وقد تبعه فيه الكثيرون ، وهو أن المراد من الذين يخافون هم بعض الجبارين ، والاسم الموصول موضوعه الجبابرة ، والضمير محذوف يعود إلى بني إسرائيل ، ويكون المعنى على ذلك أن رجلين من الجبارين الذين يخافهم بنو إسرائيل ويرهبونهم ، قالوا ادخلوا عليهم ، ويكون على هذا التفسير معنى أنعم الله عليهما أنه أنعم عليهما بنعمة الإيمان . وقد رجح ذلك الزمخشري بأمرين : أولهما - أن هناك قراءة بضم الياء « يخافون » « 1 » وهذا يتعين أن يكون المراد اثنين من الجبارين ، وإحدى القراءتين تكون مفسرة للأخرى ، والثاني - ( أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ) فإن الظاهر منها في هذا المقام هو نعمة الإيمان ، وذلك لمن يكونون غير مؤمنين وقد صاروا مؤمنين ، ولكن ذلك الأمر غير مؤكد ؛ لأنها ليست مقحمة على التفسير الأول ، بل لها معناها ، وهو أن الله أنعم على الرجلين اللذين قالا الحق من بني إسرائيل بنعمة الصبر ، وقوة العزيمة والهمة ، فوق نعمة الطاعة وتجنب المعصية . ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ . هذه مقالة الرجلين اللذين أنعم الله تعالى عليهما فيما حكى الله تعالى عنهما ، أراد ذانكم الرجلان أن يزيلا خوف بني إسرائيل من أهل هذه الأرض إذ إنهم أجسام ليس فيها قلوب قوية ،
--> ( 1 ) ليست في العشر المتواترة .