محمد أبو زهرة

2112

زهرة التفاسير

وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ توقع موسى عليه السلام أن يتخاذلوا إذ يدعوهم إلى العزة والنصر ، فنبههم إلى ما يؤدى إليه التخاذل عن الدخول ، وهذا التعبير « ارتد على دبره » ، كتعبير « نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ » ، وكتعبير « ولوا الأدبار » استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن توافرت أسبابه بحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء بدل أن يسير بمقدمه إلى الأمام ، وهذا التعبير يصور قبح التخاذل حسا ومعنى . ولقد كان رجوع بني إسرائيل - إذا لم يعملوا على دخول الأرض المقدسة - أن يعودوا إلى حكم فرعون ، ويخسروا ما كسبوا من عزة وكرامة وحرية ويذهب عنهم ، فإن البقاء على العزة يحتاج إلى مشقة الحصول عليها ، ولئن ارتدوا عن العزة بعد نيلها ، فإنهم الخاسرون ، إذ لا يرضى بالعذاب الهون إلا الأخسرون . وإن بني إسرائيل كانوا قد ضعفت همتهم ، وماتت عزائمهم ؛ ولذلك أجابوا دعوة العزة بقولهم : قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها صح ما توقعه موسى عليه السلام منهم ، وما نهاهم عنه ؛ إذ إن روح التردد والهزيمة قد ملك قلوبهم ، واستولى على نفوسهم ، فقرروا له أنهم لن يدخلوا ؛ لأن فيها قوما جبارين ، والجبار في اللغة يطلق على الطويل القوى ، والمتكبر ، والعاتى ، وهو مأخوذ من نخلة جبارة إذا كانت طويلة لا ينال تمرها ، وقد جاء في لسان العرب ( الجبار من النخيل ، وهو الطويل الذي فات يد المتناول ، ويقال جبار إذا كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل ) وجاء في مفردات الراغب أن الجبار من جبر ، وهو الإصلاح بقهر وقوة . ويكون على هذا معنى جبارين أنهم قوم غلاظ شداد عندهم قدرة على القهر ، وقد قيل في الأخبار أنهم بنو عناق الذين يسكنون أمامهم في أدنى الأرض المقدسة إليهم ، وهم أولو قوة ، وأولو بأس شديد ولعلهم الذين قال تعالى فيهم :