محمد أبو زهرة

2111

زهرة التفاسير

التقديس البركة والنماء ، فهي مباركة ، ولكن ما هي هذه الأرض التي عناها موسى عليه السلام بطلبه ، وأصح الأقوال وأولاها هو ما قاله ابن جرير الطبري إذ قال : « وأولى الأقوال عندي بالصواب أن يقال هي الأرض المقدسة ، كما قال نبي الله تعالى موسى صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض لا تدرك حقيقته إلا بالخبر ، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به ، غير أنها لن تخرج من أن تكون الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر ، أي أنها تشمل سيناء والشامات كلها بما فيها فلسطين والأردن ولبنان » . ولا شك أن هذا الكلام جدير بالأخذ ؛ لأن هذه الأرض المقدسة طلب منهم أن يدخلوها بعد أن اجتازوا البحر الأحمر ، وعبروه إلى سيناء ، وسمى بعضها الوادي المقدس ، كما قال تعالى مخاطبا موسى : . . . إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 12 ) [ طه ] وقد خصصها الأكثرون بأرض إيلياء بيت المقدس وما حوله . وقد قرر الله سبحانه أنه كتب لهم أن يدخلوا بقوله تعالى : كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وهنا نجد المفعول غير مذكور ، إلا أن المحذوف قد وجد ما يدل عليه ، والمعنى كتب لكم أن تدخلوها ، أي قدر لكم أن تدخلوها ، وفرض عليكم دخولها لإنقاذكم من الأهوال التي نزلت بكم في أرض مصر من فرعون وأعوانه ، وقد تعدى فعل كتب باللام ، ولم يتعد بعلى للإشارة إلى أن ما فرضه عليهم إنما هو لأجلهم ، ولحفظهم ، وللإشارة إلى أنه واقع لمنع ضياعهم . ولا يصح أن يقدر المفعول ضميرا ، كما نهج بعض المفسرين ، فيكون تقدير القول « كتبها لكم » ، لأن مؤدى ذلك أن تكون لهم دائما ، مع أن النص الكريم لا يقتضيه ولا يصرح به ، إذ الذي يصرح به أنه سبحانه قدر لهم أن يدخلوها ، لا أن يكون قد كتبها وسجلها لهم . وقد تمسك شذاب اليهود بأن الله تعالى قد كتب لهم أرض الميعاد ، وأن ذلك مذكور في الكتب المقدسة عندهم ، والحقيقة أن الله تعالى كتب عليهم أن يدخلوا بعد أن خرجوا مصر ليجدوا فيها مأوى لهم ، وإنما الأرض لله يرثها عباده الصالحون ، وليسوا منهم .