محمد أبو زهرة

2104

زهرة التفاسير

أوامر الله تعالى ونواهيه ، فالمعنى على هذا هو أن رسولنا قد جاءكم يبين لكم الطريق المستقيم وطريق الحق القويم لكيلا تقولوا : ما جاءنا من بشير يبشر بالخير عند الطاعة ، وينذرنا بالعذاب عند المعصية ، بل إن الله تعالى قطع العذر عليهم وأبلغ الحجة ، فلا عذر لجاهل ، ولا اعتذار لمتجاهل . وهذا التعبير : أن تقولوا ما جاءنا من بشير . . . مثله قوله تعالى : . . . يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 176 ) [ النساء ] كثير في القرآن الكريم ، وفيه يكون التعليل مقتضيا تقدير محذوف ، فإن قولهم بنفي البشير لا يمكن أن يكون علة لإرسال الرسول إلا بتقدير محذوف ويقدره الكوفيون بتقدير لا النافية محذوفة ، فيكون المعنى جاءكم رسولنا يبين لكم لئلا تقولوا : ما جاءنا من بشير ، أو كيلا تقولوا : ما جاءنا من بشير ، وقد اختار الطبري ذلك التقدير ، ويقدره البصريون بمصدر محذوف مناسب ، ككراهة أن تقولوا أو اتقاء أن تقولوا ، والمعنى على ذلك ، جاءكم رسولنا يبين لكم كراهة أن تقولوا ، أو اتقاء أن تقولوا ، وقد اختار هذا التقدير الزمخشري . والحق عندي : أن الآية الكريمة واضحة ، ومدلولها بين ، لا إبهام فيه ، والمراد منها جلى ، وهو قطع العذر عليهم وإنما هذه التقديرات تخريجات نحوية لتستقيم قواعد النحو ، لا ليستبين معنى الآية ، فهي بينة واضحة . والبشير : المبشر الذي يدعو إلى الحق ، ويبين الثمرات الحسنة لمن تبعه في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا يبين أن المصالح تتحقق فيما يدعو إليه ، وأن العزة الحقيقية تكون لمن اتبعه ، والحياة الكريمة الفاضلة تكون لمن أخذ به ، وفي الآخرة يبين جزاء الإحسان من جنات تجرى من تحتها الأنهار ، ونعيم مقيم لا يبلى ، والنذير هو الذي يبين العواقب السيئة لمن يخالف الحق ، إذ يكون في اضطراب لا اطمئنان معه ، وانزعاج لا أمن معه ، ويعيش في آثام مبطئة ، وأوزار مثقلة ، وفي الآخرة يكون العذاب الأليم ، والمقت والسخط من الله تعالى .