محمد أبو زهرة

2099

زهرة التفاسير

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هو قادر على كل شئ في هذا الوجود ، يفعل به ما شاء ، يفنيه ويبقيه على ما يشاء ، وقد وجد كل شئ بالقدرة والإرادة ، لا بالعلية والسببية ، فلا يقال : إن الأب سبب للابن ، فإن وجد له من غير أب فالله سبحانه أبوه ، لا يقال ذلك ؛ لأن الله تعالى لا يتقيد بالأسباب ، فهو خالق الأسباب وخالق المسببات وخالق نواميس الكون ، وكل ما فيه ، وهو القاهر فوق عباده ، فهو خالق عيسى وليس أباه ، وإن النصارى واليهود مع أنهم يخطئون في جنب الله ، ولا ينزهونه كمال التنزيه ، ولا يطيعونه يزعمون أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه ؛ ولذا قال سبحانه : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . اليهود يعلنون للناس أنهم شعب الله المختار ، والنصارى يعلنون أنهم هداة هذا الوجود ، وأنه لا سلامة إلا في دينهم على الوضع الذي وضعوه ، وعلى الزعم الذي زعموه ، وبذلك يعتبرون أنفسهم أبناء الله وأحباءه ، وعلى هذا يكون المراد بالبنوة بنوة مزية الاتصال بالله أكثر من اتصال غيرهم به ، وأن الاتصال اتصال إيمان به وإدراك له ، وأنهم اختصوا بنعمة المحبة ، فالبنوة بنوة الاتصال والمحبة ، ويكون عطف أحباء من قبيل عطف التفسير المشير إلى معنى البنوة . وهناك احتمال آخر ، وهو أن تكون البنوة هي البنوة التي زعمها اليهود لعزير إذ قالوا : عزير ابن الله ، وهم أتباعه وشيعته ، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله ، وهم أتباعه ، فهم أبناء الله بهذا الاتباع ، وقد قال الزمخشري في توضيح هذا الاحتمال : « أبناء الله أي أشياع ابني الله عزير والمسيح ، كما قيل لأشياع أبى خبيب ، وهو عبد الله بن الزبير ، وكما يقول رهط مسيلمة : نحن أنبياء الله ، ويقول أقرباء الملك وذوو حشمه نحن الملوك ؛ ولذلك قال مؤمن آل فرعون : . . . لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ . . . ( 29 ) [ غافر ] . وفي الحق أن كلا من اليهود والنصارى ادّعوا أن لهم صلة خاصة بالله ، وأنهم دعاة الحق ، وأنهم وحدهم أحباب الله ، وأهل الاتصال به ؛ ولهذا رجح الأول .