محمد أبو زهرة
1718
زهرة التفاسير
قيل له : ومن يعادى نعم الله ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) . والناس هنا في النص الكريم ، قيل العرب ، وعندي أنهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، إن أريد التخصيص ، وإن كان التعميم فهي على عمومها . وأولئك اليهود قد أسكن الله تعالى قلوبهم حسدا على الناس ، فهم إذا حسدوا النبي والمؤمنين ، فلأنهم ناس آتاهم الله تعالى جزءا من فضله ، فإن فضله عظيم ، ف « من » هنا للبعضية ، أو نقول إنها بيانية ، فقد كان الإيتاء صادرا عن فضله ومجرد تكرمه . وفي هذا إشارة إلى أن الذين يحسدون من يتكرم عليه الله ، فإنما يعاندون الله تعالى . وسبب هذا الحسد الدائم فيهم أنهم يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأنهم اختصوا بالنبوة دون غيرهم من الناس ، وقد بين الله سبحانه أن ذلك وهم ، فقال تعالت كلماته : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً أي إذا كنتم تحسدون الناس لما توهمتم أن النبوة فيكم ، وأنكم أهل الوحي دون غيركم ، فقد كذبتم على أنفسكم ، فإن الله تعالى قد أعطى آل إبراهيم ، أي قرابته القريبة من ذريته من إسماعيل وإسحاق الكتاب ، أي بعث فيهم النبيين بالكتب من غير تفرقة . والحكمة ، أي العلم النافع الذي يصحبه عمل نافع وإصلاح بين الناس ، وأعطاهم مع علم النبوة ومع نشر أحكامها ملكا عظيما ، أي سلطانا وبسطة في الأرض فلستم مختصين بالنبوة ، ولستم مختصين بإبراهيم ، فله قرابة غيركم كانوا في العرب ، ولم يكن تلقى الناس لذلك الهدى ولهذا السلطان واحدا : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً أي فمن قرابة إبراهيم وذريته وأوليائه الذين جاءوا ، من آمن بما جاء به من هدى ، وسار على مقتضاه ، وانتفع به انتفاعا كليا ، أو نهل من موارده العذبة ، أو أخذ بقدر ما تقوى عليه نفسه ، وهو في ضمن المهديين ، ومنهم من أعرض عنه ، وإن ذلك المعرض له جزاؤه ، وهو جهنم التي تلتهب نارها ، وتستعر ، فلم يكن من آل إبراهيم وذريته