محمد أبو زهرة

2095

زهرة التفاسير

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندهم فيه عنصر إلهي ، وفي عصور الإسلام الأولى كان النسطوريون منهم يقولون : إن المسيح ليس ابن الله تعالى في الألوهية ، ولكنها بنوة النعمة ، وقد ذهبت هذه الفرقة في عبر التاريخ ، أو تكاد ، فلا تكاد تسمع ذلك الصوت الآن إلا عند بعض الموحدين الذين ظهروا في طائفة البروتستانت ، ولكنهم عدد نادر ، لا يعترف بهم على أنهم نصارى . وإذا كان الأمر المعروف عندهم أن يسوع ابن الله ، وفيه عنصر إلهي ، فقد قالوا : إن الألوهية قد حلت فيه ، ولازم ذلك القول أن يكون هو الله ، أو هو إله يعبد ، ومهما يكن فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه ، وقد قال في ذلك البيضاوي : « هم الذين قالوا بالاتحاد منهم ، وقيل لم يصرح به أحد منهم ، ولكنهم لما زعموا أن فيه لاهوتا ، وقالوا لا إله إلا واحد ، لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم » وذلك بلا ريب ينتهى إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله ، وإن لم يصرحوا بذلك ، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الألوهية فيه مع الله . وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد في اعتقاد الألوهية ، وأنه ابن الله ، وبذلك يكون قوله تعالى في هذه السورة سورة المائدة : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ . . . ( 73 ) متلاقيا مع هذا النص الكريم ، فهنا صرح بلازم قولهم ، وهنالك صريح بذات قولهم . والحقيقة أن النصارى اليوم - وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون - يصرحون بأن الأقانيم ثلاثة ، وأنها شئ واحد ، وينتهون إلى أن المسيح هو الله ، والله هو المسيح ، والله هو روح القدس ، فقد قال الدكتور « بوست » في تاريخ الكتاب المقدس : « طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر : الله الأب ، والله الابن ، والله الروح القدس ، فإلى الأب ينتمى الخلق بواسطة الابن ، وإلى الابن الفداء ، وإلى الروح القدس التطهير ، غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الأعمال