محمد أبو زهرة

2092

زهرة التفاسير

أما الأولى - فقد عبر الله سبحانه وتعالى عنها بقوله تعالت كلماته : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ والضمير في قوله تعالى : بِهِ يعود إلى مجموع ما ذكر ، أو يعود إلى القرآن وحده ، والظاهر ذلك ؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ، وفي عود الضمير إلى القرآن تضمين لكل ما ذكر ؛ لأن القرآن هو وعاء الشريعة ، وحجة النبي صلى الله عليه وسلم القائمة إلى يوم القيامة ، وهو مصباح النور المحمدي الذي لا ظلام فيه ، وقد ذكر سبحانه من يهتدى بالقرآن ، وموضع الهداية ، فليس كل إنسان أهلا لهداية القرآن والانتفاع به ، فإن من يهتدى لا بد أن يكون فيه عقل يدرك لم تظله غشاوة رانت عليه ، وبصيرة نافذة ، وقلب قد استقام لطلب الحكمة ، وقد ذكر سبحانه أن الذي يهتدى بالحق والنور الكاشف من اتبع رضوانه ، واتباع رضوان الله تعالى : طلبه ذلك الرضوان ، ومعنى طلب ذلك الرضوان : أن يكون قلبه مخلصا لطلب الحق ، لم يرنق قلبه بغرض باطل أو أهواء مردية ، أو انحراف في طلب عن الغاية ، بل يتجه اتجاها مستقيما إلى الحق لا يبغى سواه ، ولا يطلب إلا رضوان الله تبارك وتعالى ، فإن الإخلاص يجعل العقل يشرق ، والقلب يمتلئ بالحكمة . وأما ما يهتدى إليه فهو سبل السلامة ، والصفاء وعدم وجود البغضاء ، فالسلام هو : السلامة من كل أدران الحقد والحسد ، والسلامة من كل ما يؤدى إلى البغضاء والعداوة ، وسبلها هو : الأعمال الصالحة ، فيعمل للدنيا بأخلاق مستقيمة ، ونفس لا يخالطها فساد ، ولا تستولى عليه الشهوات ، فيكون مع الناس في أمن وسلام ، وفي الآخرة يكون في دار السلام ، كما قال تعالى في شأن المتقين المهتدين : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . . ( 127 ) [ الأنعام ] وكما قال تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ( 44 ) [ الأحزاب ] . وأما الثانية - فقد عبر عنها تعالى بقوله : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ومرجع الضمير هنا هو مرجع الضمير في الجملة السامية السابقة ، فالقرآن والنور والهداية المحمدية كل هذا يخرج الناس من ظلمات الباطل إلى النور