محمد أبو زهرة

2087

زهرة التفاسير

بينهم ، وأغريت بسبب هذا التفريق العداوة والبغضاء بينهم ، بعد هذا بين لهذين الفريقين وغيرهما الطريقة المثلى ، والصراط المستقيم فقال سبحانه : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ الخطاب لليهود والنصارى الذين نسوا في الماضي حظا مما ذكروا به وحرفوا في الماضي الكلم عن مواضعه ، والذين طردوا أسلافهم من طريق الحق لنقضهم الميثاق ، وقست قلوب الماضين منهم . . وقد انتقل البيان القرآني من الكلام عن ماضيهم إلى مخاطبة الحاضرين الذين يجرى في أوساطهم ما كان يجرى في أوساط الذين تقدموهم ، فالالتفات من الكلام عن الغائب إلى مخاطبة الحاضر ؛ لأن البيان للحاضرين والتكليف القائم للقائمين ، وإن كان يجرى في أوساطهم ما كان يجرى في أوساط ماضيهم ، ولكن لا بد من أنه يجهر بالحق في أوساطهم ، فهم مخاطبون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . وقد أفرد الكتاب ، والنصارى واليهود لهم كتب وأسفار لا كتاب واحد ، وكان الإفراد لأحد أمرين أو لهما معا - أول الأمرين - أن الكتاب يطلق ويراد به الجمع ، لأن ( أل ) هنا للجنس ، كما يقال : السوق ، أو : أهل العلم ، ويراد العلوم . وثاني الأمرين : أن العرب كانوا قسمين : أميين لا يقرءون ، أو ليست الكتابة رائجة عندهم ، وأهل كتابة وعلم بالكتاب ، ومن ذلك قوله تعالى : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) [ آل عمران ] فالأميون هنا العرب الذين لم تكن الكتابة والقراءة كثيرة عندهم . وعلى ذلك تكون كلمة « أَهْلِ الْكِتابِ » ليست مقابلة فقط للمشركين وعبدة الأوثان ، بل هي مقابلة للأميين . وأهل الكتاب الذين صاحبهم الكتاب وكانوا له كالأهل الذين يرتبطون فيه . وفي نداء اليهود والنصارى فائدتان :