محمد أبو زهرة
2084
زهرة التفاسير
نسخ ؛ لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا ؛ ولأن التوفيق غير متعذر ، ولأن الأمر بالعفو والصفح لا ينافي القتال ، لأنه إذا اعتدت طائفة وجب فل شوكتها ، وقد اعتدت قينقاع وخانت الحلف ، ولا يمكن ائتمانها في وقت قتال ، فوجب إجلاؤها ، وكذلك بنو النضير ، واستحقت قريظة ما نزل بها ، وما كان ذلك إلا دفاعا عن النفس ، وتأمينا لما وراء الظهر ، وفي غير هذه الأحوال الاستثنائية يكون العفو والصفح واجبا ليؤدى النبي صلى الله عليه وسلم واجب التبليغ ، ولا يعمل الأمر بالعفو عند موجب القتال للدفاع ؛ إذ إن ذلك يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة ، ويطبق الأمر بهذا الشكل في عصرنا ، فاليهود الذين يخربون في ديارنا تكف أيديهم ويخرجون منها ، وغيرهم نعاملهم بالخلق الحسن إلا أن يظاهروا الأشرار فيهم ، وقليل من لم يظاهروهم . وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ في الآيات السابقة بين الله الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل ، ونقضوه ، ونسوا حظا مما ذكروا به ، وفي هذا النص الكريم يذكر سبحانه وتعالى الميثاق الذي أخذ على قوم عيسى عليه السلام ، وهو يشمل ما جاء به ذلك النبي الكريم ، والرسول الأمين صلى الله عليه وسلم من بيان وحدانية الله تعالى ، وأنه ليس بوالد ولا ولد ، وأنه ليس له صاحبة ، ومن إحياء للتوراة الحقيقية ووصاياها وتكليفاتها ، وقد صدق الصادق منها . ولكن النصارى نسوا حظا مما ذكروا ، أي نسوا قدرا كبيرا هو لب الديانة المسيحية ، وهو التوحيد ، وكثير من وصايا عيسى عليه السلام ، وما دعاهم إليه من تسامح وحب للسلام . وسبب نسيان حظ أي نصيب كبير مما ذكروا به هو اضطهاد النصارى اضطهادا شديدا في عهد الرومان ، حتى ضاعت كتبهم ، ولم يعرف شئ منها إلا قليل غير سليم بعد مائتي سنة من ترك المسيح هذه الدنيا ، ثم ظهرت هذه الأناجيل التي يتدارسونها ، ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات