محمد أبو زهرة

2081

زهرة التفاسير

وهنا لفظان نقف عند المعاني التي يشيران إليها : أولهما : معنى « حظ » فنقول : الحظ هو النصيب الكبير الذي يعد محظوظا من يأخذه ، وهذا يدل على أن الجزء الذي نسي هو جوهر الدين ولبه ، وحسبك أن تعلم أن التوراة التي بأيدينا ليس فيها ذكر لليوم الآخر ، وما يكون فيه من نعيم مقيم وعذاب أليم ، وثاني اللفظين : هو « مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » فإن ذلك يشمل تعاليم موسى وتعاليم الأنبياء من قبله ، وكل هذا نسوا الحظ الأكبر منه . وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ الجماعات الإنسانية تتوارث عادات وأخلاقا ، حتى تصير كأنها طبائع وجبلة ، فالكلام في بني إسرائيل الذين سبقوا عصر النبوة ، ولكن الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم يحملون الصفات التي كان أسلافهم عليها ؛ ولذلك اعتبروا منهم أو مثلهم ، فخاطب الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بأنه صلى الله عليه وسلم يرى في الحاضرين صورة السابقين ، ويرى فيهم طائفة منهم ، وإن تباعدت الأزمان ، وإذا تخالفت الشخوص لا تتخالف الصفات ؛ ولذلك قال تعالى : وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ أي أن صفاتهم مستمرة وهم بذلك مستمرون ، فلا تزال تطلع على طائفة خائنه منهم خيانة أسلافهم ، فيهم قسوتهم ، وفيهم ضلالهم ، وفيهم انحرافهم . و خائِنَةٍ : وصف لمحذوف تقديره بقية خائنة ، أو طائفة خائنة ، أو نفوس خائنة منهم ، وفسر بعض المفسرين خائنة بمعنى خيانة ، والمعنى على ذلك لا تزال تطلع على خيانة ، والمؤدى واحد ؛ لأن الاطلاع على فرقة أو بقية خائنة اطلاع على الخيانة ، والاطلاع على الخيانة اطلاع على قوم متصفين بها ، وفي الكلام إشارة إلى أن هؤلاء اليهود في ماضيهم قد خانوا الله تعالى ، وخانوا أنفسهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ موثقا مؤكدا عليهم ، فلا تعجب إذا كانوا قد خانوا العهد معك ، ونقضوا الحلف الذي حالفوك عليه ، على أن أمنك أمنهم ، وأمنهم أمنك ، وأن تكون العلاقة بينك وبينهم حسن الجوار ، والمودة الحسنة .