محمد أبو زهرة

2079

زهرة التفاسير

تأويل من تأول فعيلة من القسوة ، كما قيل نفس زكية وزاكية ، وامرأة شاهدة وشهيدة ؛ لأن الله تعالى جل شأنه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به ولم يصفهم بأي شئ من الإيمان ، حتى تكون قلوبهم موصوفة بإيمان يخالطه كفر ، كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش » والحق عندي أن كلتا القراءتين قرآن ، وما دامت متواترة فالجمع بينهما ضروري ، والجمع بجعل إحداهما تأتى بمعنى ليس في الأولى يكون أولى وتكون كلتاهما متممة للأخرى ، وبالجمع يكون المعنى : وجعلنا قلوبهم قاسية ؛ لأنه اختلط فيها الزيف بأصل الإيمان ، فعندهم إيمان بالله من غير إذعان لأحكامه ، ولا تصديق لرسله ، ولا قيام بالتكليفات ، والزيف أكثر من الأصل ، والنحاس أكثر من الفضة ، فصلبت . وإن قسوة القلب وفساده يترتبان على الانحراف عن الطريق السوى الذي عبر عنه بالطرد ؛ لأن من ضل الطريق كلما سار في الضلال تاه عن الحق وغاب عنه ؛ ولأن القلب كلما أركس في الشر أربد وأظلم ، وصارت غشاوة من الباطل تغطيه فلا يدرك ، وتحجره فلا يلين . وهنا بحث لفظي ، وهو في قوله تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ فإن الفاء هنا تسمى بفاء الإفصاح ، وهي تفصح عن شرط مقدر تقديره : فإذا ضلوا ونقضوا الميثاق ، فبسبب ذلك يطردون من طريق الرحمة ومنهاج الاستقامة ، و « ما » زيدت في الإعراب لتأكيد معنى السببية بين نقض الميثاق والضلال . يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي يحيلون بالكلام عن الموضع الذي نزل فيه ولأجله ، والمعنى المقصود منه إلى طرف بعيد عن لبه ، وعن معناه ، فالحرف للشئ طرفه الذي يبعد عن قلبه وعن قطبه الذي يدور حوله ، والتحريف كما جاء في عبارات المفسرين قسمان ، قسم يغيرون به معاني الكتاب ، فيتجهون بها إلى أمور ربما يحتملها الكلام ، ولكن لا يحتملها إلا على بعد من موضوعها ، كبعد طرف الشئ عن قطبه ، وقسم آخر يغير ذات الكلام بزيادة ألفاظ فيه تذهب بأصل المعنى ، أو بحذف ألفاظ يذهب بالمقصد من القول ، وقد كان من اليهود القسمان ،