محمد أبو زهرة

2078

زهرة التفاسير

لضلالهم عن طريق الهداية ؛ لأن من ترك طريق الله الذي سنه ، فقد ضل ، وبهذا الضلال المبين طردوا من طريق الرحمة ، وهو الطريق المستقيم الذي يوصل إلى جنات النعيم ، فمعنى لعناهم : طردناهم ، والطرد هنا هو السير في متاهات الضلال ، وفي ذلك تشبيه لحال من يسلك سبيل الضلال بعد أن فتح له باب الهداية ، وأرشد إلى الطريق المستقيم بحال من يكون في مكان آمن مستقر فيه ، قد مكن له في الإقامة ومهد له ، ثم طرد منه مذءوما مدحورا مبغوضا مكروها . وإنهم إذا ساروا في طريق الغواية ، وتركوا منهاج الهداية تفسد مداركهم ، فيطمس على عقولهم ، وتجمد قلوبهم فلا تلين لحق ، ولا يدخل إليها نور ؛ ولذلك قال تعالى : وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً أي جعلنا قلوبهم غليظة صلبة كالحجارة ، منزوعة منها الرأفة والرحمة ؛ وذلك لأنهم لما مردوا على العصيان والمخالفة صلبت قلوبهم ، فأصبحت لا تنفتح لإدراك حق ، كما قال في شأن هؤلاء اليهود عندما أخذوا في طريق العصيان : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 74 ) [ البقرة ] . والقراءة المشهورة عند البصريين هي : وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً وهناك قراءة أخرى وهي مشهورة عند الكوفيين ، وهي : ( وجعلنا قلوبهم قسية ) « 1 » وقد خرجها بعض المفسرين على معنى القراءة السابقة ، بيد أن فيها مبالغة ؛ لأنها على وزن فعيلة فهي تدل على تمكن صفة القسوة فيهم ، وذكر ابن جرير الطبري لهذه القراءة وجها آخر ، وقال : « إنما القسية في هذا الموضع القلوب التي لم يخلص إيمانها ، ولكن يخالط إيمانها كفر ، كالدراهم القسية ، وهي التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص » ثم قال رضي الله عنه : « وأولى التأويلين في ذلك بالصواب ،

--> ( 1 ) قرأها بغير ألف : حمزة والكسائي ، وجبلة عن المفضل عن عاصم . وقرأ الباقون بالألف . غاية الاختصار ( 800 ) .