محمد أبو زهرة
2075
زهرة التفاسير
والركن الخامس : هو ما عبر عنه الله بقوله : وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً والمراد من إقراض الله تعالى في هذا المقام هو الإنفاق في سبيل الله تعالى عندما تحتاج نصرة الحق إلى جهاد في سبيله ، وإعطاء الضعفاء الذين هم عيال الله تعالى في هذه الأرض ، فمن أعطاهم ابتغاء مرضاة الله تعالى فقد أعطى الله سبحانه وتعالى ، ومن إقراض الله تعالى قرضا حسنا القيام بما طالب به من طاعات ، بأداء ما عليه من واجب ؛ لأن من يفعل ذلك ابتغاء مرضاته سبحانه فكأنما أقرض الله قرضا حسنا ، والله سبحانه سيضاعفه في الأداء له أضعافا كثيرة . وهنا نجد إشارات بيانية تستوجب ذكرها إجمالا من غير تعرض لتفصيل : الأولى : أن الله سبحانه وتعالى سمى القيام بالواجبات ، والإنفاق في سبيله ، وإعطاء المحتاجين - إقراضا له تعالى ، وهو الغني ، والناس هم الفقراء ، وكانت تلك التسمية تحريضا على هذه الخيرات ، وتشريفا لمقام القائم ؛ وإعزازا لعمله ، وكانت التسمية فوق ذلك تأكيدا للجزاء ؛ لأن المقترض لا غني في الوجود سواه ، فهو وحده القادر على الجزاء ، وأتى تأكيدا للجزاء على الحسنة بأقوى من هذا ، وقد صرح سبحانه وتعالى بمضاعفة الأداء في آية أخرى ، فقال سبحانه : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) [ البقرة ] . الثانية : أن « قرضا » في قوله تعالى : وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً المراد بها العطاء ؛ أي الشئ الذي قدمه العبد ، وإن كان في إعرابه يصح أن يكون مفعولا مطلقا ، ونرى أنه مفعول به « 1 » . الثالثة : أن الله تعالى وصف القرض بأنه حسن ، والحسن في كل شئ يناسبه ، ففي الوجوه تناسبها ، وإشراقها ، وفي الأشياء تناسقها وتآلفها ، وفي الأعمال خلاصها من شوائب الرياء والنفاق ، وهو في القرض الاتجاه به إلى الله
--> ( 1 ) ويكون مفعولا به على معنى ( عطاء ) كما بين الإمام رحمه الله تعالى .